عبد الإله بلقزيز

حين لا تتكلّم السّياسةُ الدّوليّة رصاصاً تتكلّم كذباً وبهتاناً وباطلاً. يبغي الرّصاصُ إخضاعَ العدوّ/ الخصمِ الذي يقع عليه بعد أن تكون وسائل أخرى أَنْعَمُ قد جُرِّبت معه (الخصم) من غير جدوى وعزّت فرص السّيطرة عليه بالضّغط السّياسيّ أو بالحصار، ويبغي الكذب والباطل خداعَ الخصمِ وتعْميةَ نظره إلى الأشياء وإفساد تقديره لها. هُما معاً طريقتان متباينتان، إذن، ولكن تجتمعان، مع ذلك، على هدفٍ واحدٍ وإنِ اختلفتا في الوسائل، والهدف هذا هو الإخضاع: إمّا إخضاع الإرادة أو إخضاع الوعي، وفي إخضاعهما سَلبٌ لهما ومصادَرةٌ بتحقيقها يَبْسُط المنتصرُ في الجهتين سيطرتَه وسلطته.
إذا كانتِ الحربُ أكبَر القرائن على تناقض المصالح وصراعِها، وإذا كان المهدوف إليه منها تعظيم مصلحةٍ أو استحصال أخرى، فلا تختلف الخديعة عن الحرب في تدليلها على ما يؤسّسها من مصلحةٍ إلا في كونها تُتْقِن إخفاء ما تُضْمِره، وفي أنّ حيلتَها قد تنطلي على كثيرين يُسْتَدرجون، بيُسرٍ، إلى تصديق ما يتلقّونه من الكلام السّياسيّ المعسول والمحبوك بإحكامٍ من قوًى في العالم تعرف، جيّداً، من أين تؤكَل الكتف، من غير أن يَستريب المصدِّقون أولاء بما يقع خلف ذلك الكلام من أهدافٍ محجوبة عن البيان.
ما أكثر الأغراض «الإنسانيّة» المختَلَقَة التي تُساقُ عناوينَ في السّياسات الدّوليّة يُزعَم السّعيُ إليها من قِبَل من يطلقونها في عالمنا المعاصر. هكذا، وعلى منوال المَقول المنسوب إلى جوزيف غوبلز («اكْذِب ثمّ اكْذِب حتّى يصدّقك النّاس»)، يُسَار على ذلك في الخطاب السّياسيّ والدّعاية الإعلاميّة فتدور رحى التّزوير والتّزييف وتنميق المختَلَق إلى أن يفرض التّكرار أحكامَه فينتقشَ في الأذهان ما هو مكذوبٌ بوصفه حقيقةً فوق كلّ شبهة! ولا بأس، في الأثناء، من توسُّلِ ما تنطِق به القوانينُ وأحكامُ الاتّفاقيّات من مبادئَ ينبغي أن تدور عليها العلاقات الدّوليّة، فشأنُ التّوسُّل ذاك والاستشهادِ الزّيادةُ من توطيد صرْح ما يَرُوج من أهدافٍ للسّياسات العالميّة ومن الإقناع بها على أوسع نطاق. ونافلٌ هو كلُّ قولٍ بأنّ انطلاءَ حيلةِ الرائج المكذوب على وعي مَن يتلقّونه يختصر على المختلِق مسافةَ بلوغ الهدف من وراء ذلك كلِّه، ويرفع عنه أعباءً جمّة في سعيه خلف تحقيق ما يبغيه من المصالح: وأوّلُها تبديدُ أيّ شعور بالاشتباه في طويّته من قِبَل آخرين (دولاً ومجتمعاتٍ وأمماً) قد يخشون منه أو يرهبون جانبه أو يتشكّكون في مراميه...
من أكثر العناوين الرّائجة بريقاً وإغراءً، في خطاب العلاقات الدّوليّة، شعارات مثل التّعاون، وتبادُل المصالح، والشّراكة وما في معناها من قيمٍ تشرئبّ إليها نفوسُ المحتاجين اشرِئْباباً، وتَلين بها عَرائك المتمنِّعين لِيناً أو تطمئنّ بها حسابات الدّول. وقد لا يوجد شعبٌ أو أمّةٌ تخلِّف لديهما عباراتٌ مثل هذه حساسيّات مّا، ذلك أنّ هذه العناوين والأهداف من مطالب أمم الأرض قاطبة، بمن في ذلك تلك التي هي من اليسار في معاشها بحيث تبدو كما لو أنّها في غنًى عن التّعاون، فكيف بأكثر تلك الأمم في الأرض ممّن تعتاز إلى تعاونٍ تَسدّ به بعضَ الأَوَد. على أنّ للتّعاون والشّراكة معنًى خاصّاً لدى كلّ مجتمعٍ ودولة. إنّ مَن يخوض غمارَه ناظراً إلى أبعاده الإنسانيّة والسّلميّة، وإلى أدواره المنتَظَرة منه في مضمار تمتين أواصر العلاقة بين الأمم أو بين الدّول، غيرُ من يتّخذه تُكَأة ليصلَ من طريقه إلى تحقيق مرامٍ أخرى مختلفة لا تبعث على الاطمئنان مثل السّيطرة والهيمنة...
لسنا ننفي، طبعاً، عن قسمٍ كبيرٍ من الدّول الكبرى صدْق رغبتها في التّعاون مع ما دونَها من الدّول قوّةً ومكانةً اقتصاديّة في العالم، بل وتوسُّل التّعاون ذاك أداةً لمساعدة شعوبها على مغالبة أوضاعها الصّعبة وسدّ الحدّ الأدنى من الحاجات لديها، من دون انتظار عائدات مصلحيّة فوريّة تعود عليها من تلك المساعدات، لكنّ ذلك في النّادر من الأحوال يكُون لدى دولٍ ليست ذوات مشاريع إمبراطوريّة ونزعات احتكاريّة وغالباً ما تُصغي إلى منظّماتها المدنيّة ونداءاتها الإنسانيّة وتحترم القانون الدّوليّ ومرجعيّة المؤسّسات الدّوليّة.
حين ننقّب تحت طبقات الكلام السّياسيّ المعسول عن التّعاون والشّراكة فاحصين عن المخبوء المحجوب، قارئين اللَّهَجَ به في ضوء معطيات الواقع الموضوعيّ وأنماطِ العلاقات التي تُنْسَج خيوطُها بين الدّول والمصالح، سنجد أنّ الواقع الجاري يقدّم مشهداً آخر للعلاقة ينتفي فيه أيُّ مظهر للتّعاون أو لِما يشبهه. هكذا يتبدّى التّعاونُ محضَ ستارٍ يخفي نقيضَه أو يجرِّب أن يخفّف من وطأته على من تقع عليهم نتائجُه. إنّه مجرّد اسمٍ حركيّ مستعار للهيمنة الميتروبوليّة على الهوامش الاقتصاديّة في العالم وللنّهب المكشوف أو المقنَّع ولظواهر التّبعيّة والتّبادل اللامتكافئ وما شاكل ذلك ممّا يفضح العلاقةَ السّائدة بين الدّول في العالم بما هي تدور، حتّى إشعارٍ آخر، في فلك علاقة السّيد بالعبد...

[email protected]