هل ستأخذ الموضوع على أنه «فشة خلق» لغرض في نفس لوحة المفاتيح؟ مهلاً، فالسؤال: ما العقدة التي ظلت على مدى العقود مستعصيةً على الحلّ، في كل مكوّنات ثقافتنا العربية، بلا استثناء؟ إنها غياب البحث العلمي في الآداب والفنون.

لكي تطمئن القلوب، هذه القضايا سبقت زماننا بكثير. مثلاً: مهما تكن شكوك المستشرقين، من قبيل مارغوليوث، والعرب من طراز طه حسين، في الشعر الجاهلي- فإنها تظل على هامش المحور الأساسي، لا تقدّم ولا تؤخّر قيد قطر إلكترون. هب الشعر الذي وصل إلينا منسوباً إلى ما قبل الإسلام، منتحَلاً زائفاً، وأن عناصر «مافيا» أدبية، من أضراب حمّاد الراوية وخلف الأحمر، في العصرين الأموي والعباسي، وضعته وضعاً وضيعاً، فإن المشكلة الأحجيّة المبهمة هي: كيف تكون تلك القصائد، ومن بينها المعلّقات، هي أوّل ما أبدعت العرب من موزون مقفّى؟ الأوساط الأدبية والثقافية، كأنها لا تشغلها هذه الأمور، كأنها عادية منطقية، لا تستثير براغيث الفضول المعرفي تحت القشرة الدماغية.

هل ينبغي لعاقل عارف بالعلوم والمعارف أن يستسيغ أنّ الشعر العربي تفجّر فجأةً، على طريقة «الانفجار العظيم»، بستة عشر وزناً إيقاعياً، وبتقنيات بلاغيّة تلقّفها النحاة وعلماء البلاغة، ليجعلوها شواهد لقواعدهم ومذاهبهم في النحو والبلاغة من بديع ومعانٍ؟ بهذه البساطة والسذاجة، غير مستغرب أن يظهر أناس في المستقبل البعيد، يدّعون أن المواصلات بدأت من دون سابقة بالمركبات الفضائية، وأن الحاسبات الآلية في البدء كانت حاسوب «الكوانتوم».

لمزيد من الإيضاح: القضية ليست تطوّر اللغة الشعرية وأساليبها وتقنياتها في بضعة عقود، فهذا ممكن. تأمّل القفزات العملاقة في الموسيقى العربية، بين مطلع القرن العشرين وسنة 1950، مسافة نجومية. لكن ذلك لا يعني أن الموسيقيين في نصف قرن، اخترعوا كل المقامات والمقامات المشتقة والنغمات، وأنواع الإيقاعات.

في الشعر أيضاً، تطوّر الأساليب ممكن، أمّا اختراع ستة عشر بحراً، والتطبيق عليها، وعلى تنويعاتها، فشيء عجيب، حَدِّث العاقلَ بما لا يليق، فإن صَدّق فليس بعاقل. لكن، رُوَيْدَك، فالشعر الجاهلي ليس التراجيكوميديا الوحيدة، التي تغافل عنها المثقفون. ماذا قبل جلجامش؟ هل يعقل أن يبدأ أدب بملحمة؟ اليونانيون أيضاً ناموا عمّا قبل «الإلياذة» لهوميروس. ماذا قبل؟

لزوم ما يلزم: النتيجة اللاّمعقولية: ماذا لو حدّثك أحد بأن برجاً من مئة طابق، قائم على الهواء، لا أساس له؟

[email protected]