يبدو أن الكتاب الإلكتروني في العالم العربي أصبح اليوم ميداناً حقيقياً لاختبار علاقة القارئ العربي بفعل القراءة ذاتها، سواء من حيث عاداته القديمة أو تفاعله مع الوسائط الحديثة، فبينما يواصل النشر الورقي الدفاع بشراسة عن حصته الراسخة في وجدان القارئ العربي، مستنداً إلى رائحة الورق ودفء اللمس وطقوس الاقتناء، يتقدم النص الرقمي بخفة الضوء، يتسلل إلى الشاشات المحمولة في أيدي الناس، حاملاً معه إغراء السهولة وسرعة الوصول وتنوع الخيارات.
لكن المفارقة الكبرى تكمن في بعض الأرقام التي ترصد الواقع، ففي الوقت الذي تتراجع فيه القدرة الشرائية لدى فئات واسعة من القراء العرب، يتسع في المقابل فضاء القراءة نفسها، خصوصاً عند جيل الشباب، وذلك بفضل المنصات الإلكترونية المفتوحة والمكتبات الرقمية المجانية التي توفر العديد من الكتب بجودة عالية، وبهذا تتشكل أمامنا خريطة جديدة للقراءة العربية، تتداخل فيها الورقة بالشاشة، والقارئ التقليدي بالمستخدم الرقمي، في مشهد يعيد تعريف معنى الثقافة والوصول إليها في الزمن المعاصر.
من ناحية اقتصادية، يمكن القول إن الكتاب العربي لا يزال هشاً في بنيته، لكنه يعيش إعادة تشكل دقيقة وتطور قد يوصف بالبطء، فبحسب تقديرات قطاع النشر لعام 2025، بلغ حجم السوق العربي نحو 2.8 مليار دولار، ورغم أن النشر الورقي يحتفظ بنحو نصف هذا الرقم، فإن النشر الإلكتروني يستأثر بالنمو الحقيقي في الاتجاهات المستقبلية، خصوصاً بعد جائحة كوفيد والصراعات الإقليمية والتي يمكن أن نعتبرها نوعاً ما عززت ثقافة القراءة الإلكترونية في المدارس والجامعات، أضف إلى ذلك توجه المؤلفين الشباب الذين وجدوا في النشر الذاتي الإلكتروني مجالاً للتحرر من الوسطاء، ومن دوامة القبول والرفض التقليدية في دور النشر، وفعلياً حقق بعضهم جماهيرية واسعة عبر الكتب المجانية أو منخفضة الثمن المنشورة إلكترونياً.
كما أسلفنا، فالكتاب الإلكتروني تغيرت ملامح حضوره في المشهد الثقافي العربي، وشهدنا خلال السنوات الأخيرة تحولاً ملحوظاً في حضور الكتاب الإلكتروني، إذ لا يعتبر فقط بديلاً تقنياً عن الكتاب الورقي، وإنما أصبح ضرورة فرضتها التحولات التي عرفها العالم، فقد ساهمت الحروب، وأزمات اللجوء، وفترات الحجر الصحي، في دفع المثقفين والقراء نحو الفضاء الرقمي، بحثاً عن وسيلة تبقيهم على صلة بالمعرفة، ومع الوقت، تحول الكتاب الرقمي بالنسبة لهم إلى طوق نجاة فعلي، مكَّن كثيرين من الوصول إلى مصادر القراءة رغم الظروف القاسية، وأعاد تشكيل علاقة القارئ بمفهوم الكتاب والاقتناء والتفاعل الثقافي.
ورغم هذا الحضور المتزايد للكتاب الإلكتروني، لا يزال الواقع التشريعي في بعض البلدان العربية عاجزاً عن مواكبة هذا التطور، إذ تعاني صناعة النشر الإلكتروني ضعفاً قانونياً واضحاً في ما يخص حقوق المؤلفين والملكية الفكرية الرقمية، أضف إلى ذلك ضعف الوعي بثقافة الدفع الإلكتروني، هذه الإشكاليات من شأنها أن تُبقي حركة تداول الكتب القانونية محدودة، فيما تفتح القرصنة الإلكترونية الباب واسعاً أمام انتهاك الحقوق، مما يجعل مستقبل الكتاب الرقمي في العالم العربي مرتبطاً بمدى قدرة التشريعات والثقافة العامة على اللحاق بعصر القراءة الجديد.
حين ننظر إلى هذا الواقع بعين الحقيقة، ندرك أن الكتاب الإلكتروني في العالم العربي يقف على عتبة تحول لا يمكن تجاهله، فهو ليس بديلاً للورق، وإنما هو وريثه المنطقي، والمستقبل القريب يشير إلى مزيد من الاندماج بين الشكلين، حيث يصبح الكتاب منتجاً معرفياً متعدد الواجهات، سواء كان مقروءاً أو مسموعاً وأيضاً تفاعلياً.