إن غابت أمور تربوية ثقافية عن الأسرة، فهل تغيب عن واضعي المناهج؟ موضوع الألغاز الأدبية التي لم تَلقَ رعايةً كافيةً من أوساط الثقافة العربية، يثير المخاوف على مستقبل تفكير الأجيال المقبلة. الطامة الكبرى أن يتوهم القادمون أن الماضي من تاريخ الإنسان والزمان والمكان، ليس سوى ملفات أغلقت ووضعت على الرفوف.
من الجنون تصوّر أن الشعر الجاهلي انتهت صلاحية حقبة تاريخه. تنتهي الصلاحية عندما نقطع الأواصر. عندها نغدو لا نفهم شيئاً من حقيقة أن الهوية إنما هي باقة تجانسات وتناغمات صارت وحدةً من المحال الفصل بين مكوناتها. اللغة العربية مثلاً سليلة شجرة اللغات السامية. بينها توافقات وتناغمات لغوية ولسانية بلا حدود.
كل فرد في العالم العربي إنما هو عبارة عن هوية مكونة من طبقات شخصية تمثل بالتعبير الصوفي «الوحدة في الكثرة والكثرة في الوحدة». إنه نموذج حضاري لتفاعل المكونات. لا يمكن إدراك ذلك إذا لم يتيسر البحث العلمي عن عقد تشابك الخيوط. هذا هو جوهر قضيتنا. في العمود أمس، وقفنا عند تساوي أعرف العارفين وأجهل الجاهلين، في صفرية الإلمام بما قبل الشعر الجاهلي. من البلاهة توهّم أن أوّل ما يفتح الله على قريحة عربية، يكون معلقةً من قمم «قفا نبكِ من ذكرى حبيب ومنزلِ». لا يكون الإبداع «شبّيك لبّيك» بهذا الإعجاز. معذرةً، القلم قد يتنطع في التنظير، لكنّ في جعبته ستين عاماً من التحبير.
على المناهج أن تتحمل، فالبحث العلمي يكون أو لا يكون. عندما يعجز الفكر عن معرفة الخلفيات التجريبية الإبداعية، التي أوصلت الموزون المقفى إلى عجائب الخلق الشعري، شكلاً ومضموناً، بلاغةً وموسيقى، لدى امرئ القيس ولبيد وعمرو بن كلثوم والأعشى، وأرست قواعد أساليب وتقنيات ظلت حاكمةً إلى القرن العشرين، مثل الوقوف على الأطلال والمطالع الغزلية حتى في الهجاء والفخر، لابد حينئذ من التفكير في أن سوابق سبقت، وأن بوارق برقت، وأن أبواباً طُرقت، قد تكون في عربيات لم يعرفها العرب.
لزوم ما يلزم: النتيجة اللغوية: البحث فيه البث والحث والبحث إلى أن تبحّ.

[email protected]