لو كان النبل رتبة من فضة أو ذهب، لوضعتها على باب دار النشر الأردنية «الآن، ناشرون وموزعون»، فقد أطلقت الدار، أمس الأول، مبادرة ثقافية أدبية، وإنسانية تحت عنوان: «غزّة تبدع»، وهي مبادرة مستقلة تتبنى نشر روايات، وقصص، ومجموعات شعرية، ويوميات، وشهادات، لكتّاب وكاتبات من داخل قطاع غزة، وذلك، في خطوة، كما جاء في بيان صحفي صادر عن الدار، تسعى إلى نقل التجربة الغزّية بعيون أبنائها، وتوثيق الواقع الفلسطيني من قلب المعاناة عبر الأدب، وجاء في البيان أن الكلمة قد تكون النافذة الوحيدة المفتوحة حين تغلق كل الأبواب، وقال مدير عام الدار باسم الزعبي إن من حق المبدعين الفلسطينيين أن ينشروا نتاجهم من دون عوائق، وأن تصل أصواتهم المحاصَرَة إلى القارئ العربي من دون حواجز.
الشاعر والكاتب جعفر العقيلي المشرف على المبادرة قال إنها تنحاز إلى الحياة التي تكتب، رغم الموت وللحكايات التي تولد رغم الدمار، وتمثل المبادرة، أيضاً، كما قال العقيلي، التزاماً أخلاقياً وجمالياً تجاه مدوّنة إبداعية ولدت وسط الركام.
بعد هذا الوعي الثقافي والأخلاقي الذي استند إليه الزعبي والعقيلي في إطلاق هذه المبادرة الأولى من نوعها وصميمها الإنساني، يجد المرء نفسه وقد اكتفى وجودياً ونفسياً بهذا الأمل العربي الجميل الذي تبثّه دار نشر عربية في قلوبنا ووجداننا المتعطش للتفاؤل في زمن الحرب المتدرّج من السلاح إلى العطش إلى التجويع، لتطال هذه الشبكة الكارثية كل شيء في قطاع يراد له اقتطاعه من الحياة والجغرافيا والذاكرة، ويشمل هذا الاقتطاع إبادة الثقافة ومكوناتها البشرية الإنسانية الحية.
لا نعرف، في هذا السياق التراجيدي المرعب، كم عدد الكتّاب والكاتبات الذين استشهدوا، أو اعتقلوا أو ماتوا تحت الركام، أو أصيب البعض منهم باليأس والجنون والإحباط، فهذه اللائحة من الشعراء والروائيين والفنانين والرسّامين تظل في حكم الضمير الغائب إلى أن يعود القطاع إلى سويّته المدنية والإنسانية، هذا إذا توفّر له مثل هذه العودة.
الآن، وهذا هو المهم، نحن أمام فرصة ثقافية تتيحها دار نشر خاصة لكتّاب وكاتبات القطاع الغزّي الذي يحتاج إلى توثيق روايته الدرامية الكابوسية عبر الأدب، وبخاصة هنا، أراني على نحو شخصي مشجعاً لذلك الأدب وتلك الكتابات التي تأخذ شكل الشهادات، والمذكرات، واليوميات التي لا يمكن لأي إنسان أن يعرفها إلا الكتّاب الغزّيون أنفسهم، وهم بالفعل، عصب هذه التجربة الكتابية الميدانية وروحها الحيّة.
نعرف أن أي أدب مهما كان عظيماً في العالم كلّه لا يمكن أن يعادل فقدان الإنسان وضياعه أو موته أو إبادته، غير أن الإنسان هذا نفسه عليه ألا ينسى ولكي لا ينسى، عليه أن يكون شاهداً، وموثّقاً، ولاقطاً لكل صورة، وكل كلمة، وكل صرخة في المكان الذي يكتب منه، وفيه.
«غزّة تبدع»
29 أكتوبر 2025 00:04 صباحًا
|
آخر تحديث:
29 أكتوبر 00:04 2025
شارك