هل تذكر بعض بدائع إنجازات المجمع الثقافي في أبوظبي، في العقد الثامن الماضي؟ من بينها، الموسوعة الشعرية، التي كانت على أسطوانة مدمجة، تضمّ مليوني بيت، لقرابة ألفي شاعر، منهم أربعمئة قبل الإسلام. أمّا البرمجية الظريفة فترسم الخرائط الجغرافية لمعلقات الشعر الجاهلي. مثلاً، ترينا مواقع «سقط اللوى بين الدَّخول فحومل»، وتُوضح لنا مكان «توضح فالمقراة»، في معلقة امرئ القيس، أو«دار عبلة بالجواء»، في معلقة عنترة، أو «برقة ثهمد»، في معلقة طرفة بن العبد البكري.
لك أن تتخيل العمل الرائع لو استمر توسيع الموسوعة الشعرية، وتدارك الأخطاء وتدقيق البحث المعجمي، وتنمية السِّيَر الذاتية وإثراؤها بإمكانات الرقمي والذكاء الاصطناعي. لا شك في أن المخزون يطفح عن الكيل ويحتاج إلى موقع على الشبكة لا تسعه الأسطوانات المدمجة وأقراص الفيديو الرقمية. من سبل الإغناء، إيجاد روابط نحو دراسات وبحوث تحليلية ونقدية، وأعمال موسيقية تخص تلك الأشعار المذكورة في مواضعها. مجالات الابتكار لا حدود لها.
ما يمكن البناء عليه هو المحور الجوهري. تلك البرمجة الجغرافية لأماكن الميراث الشعري، تستطيع المؤسسات المعنية بالبحوث والدراسات التاريخية أن توظف الذكاء الاصطناعي في تحقيقات ذات طابع تحريات، في شأن ميادين شتى، كوقائع التاريخ ووصف في المواقع في مؤلفات الجغرافيا والنصوص الأدبية وكتب السِّيَر ومعاجم البلدان. هذا يفتح آفاقاً بلا منتهىً، لنقد التراث والتحليل وتسليط أضواء المسح الفاحص الاختباري عليه، ما يمثل كنوزاً بلا شوائب تُهدى إلى أجيال الحاضر والمستقبل. هكذا يكون الإنجاز كائناً حيّاً يولد صغيراً ثم ينمو.
على العقل العربي اليوم أن يدرك مليّاً أن الشعوب العربية قضت حقباً مديدة تفصلها مسافات شاسعة عن ملاعب البحث العلمي، في أغلب الأحيان لأسباب مادية، مثلما هو الأمر في الفيزياء والتخصصات المتعددة في علم الأحياء، لغياب الاستثمار في العلوم، أو لأمور ذات حساسيات معينة كالتاريخ، إلاّ أن المسؤولية والأمانة إزاء الأجيال تفرض على المؤتمنين على العمل الأكاديمي تحقيق الحد الأدنى من حريات الفكر والرأي والتعبير، أي 100%، عملاً بالحكمة التراثية الذهبيّة «فلا تقنع بما دون النجوم».
لزوم وما يلزم: النتيجة اللغوية: قيمة النقد هي الحصول على القيمة الخالصة نقداً.

[email protected]