منذ اتفاق شرم الشيخ على وقف إطلاق النار في غزة، والمباشرة في تنفيذ خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للسلام يوم 13 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، لم تتوقف إسرائيل عن اعتداءاتها اليومية على القطاع، إذ بلغ عدد الضحايا حتى الآن 90 مدنياً من بينهم 24 طفلاً، وجرح العشرات، لا سيما في مدينتي غزة وخان يونس.
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يحاول التملص من الالتزام باتفاق وقف النار، انطلاقاً من قناعته بأن الاتفاق يقيد حركته ولا يخدم أهدافه المعلنة في بسط السيطرة على القطاع، وهو أكد أكثر من مرة بأن القوات الإسرائيلية لن تنسحب من غزة، لذلك يرى أن التصعيد محاولة منه للهروب من أزماته الداخلية.
وقد تجددت المخاوف من انهيار وقف إطلاق النار بعدما أعطى نتنياهو توجيهات للجيش الإسرائيلي بتنفيذ «غارات عنيفة» على القطاع وتوسيع المنطقة التي يسيطر عليها الجيش. وجاء توجيه نتنياهو في ختام مشاورات أمنية أجراها يوم الثلاثاء الماضي مع عدد من المسؤولين الأمنيين والسياسيين بزعم خرق حركة حماس لاتفاق وقف النار، وهو ما نفته الحركة، مؤكدة التزامها بوقف العمليات العسكرية، وطالبت الوسطاء والجهات الضامنة «بتحمل مسؤولياتها وإجبار إسرائيل على وقف ممارساتها التضليلية»، كما قامت بتسليم 16 جثماناً لرهائن إسرائيليين من أصل 28، مشددة على أنها«تعمل على مدار الساعة لتحقيق ذلك»، بمساعدة آليات مصرية ثقيلة للبحث عن بقية الجثامين المدفونة في الأنفاق وتحت ركام المباني التي دمرتها إسرائيل.
ونقلت صحيفة «نيويورك تايمز» عن مسؤولين أمريكيين أن هناك قلقاً داخل إدارة الرئيس ترامب من احتمال انسحاب نتنياهو من اتفاق وقف النار، وهي تعمل على منعه من استئناف الحرب عبر جهود يبذلها نائب الرئيس جيه دي فانس ومبعوثاه ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر.
لكن من الواضح أن الإدارة الأمريكية تحاول استرضاء نتنياهو بالسماح له بتنفيذ «هجمات محدودة» من دون أن يؤدي ذلك إلى تقويض وقف إطلاق النار، وهو ما عبّر عنه نائب الرئيس الأمريكي بقوله: «وقف إطلاق النار صامد، لكن هذا لا يعني أنه لن تكون هناك مناوشات صغيرة هنا وهناك»، وأضاف، «لدينا علم بأن حماس أو جهة أخرى داخل غزة هاجمت جندياً إسرائيلياً، نتوقع أن يرد الإسرائيليون، لكنني أعتقد أن السلام الذي أعلنه الرئيس سيصمد».
من جهته قال ترامب للصحفيين على متن الطائرة الرئاسية التي حملته من طوكيو إلى سيؤول: إن «وقف إطلاق النار ليس في خطر»، لكنه أعطى الإسرائيليين «الحق في الرد» على مقتل جندي إسرائيلي لم يتم التأكد من مقتله أو من قتله.
إن وقف إطلاق النار في غزة أمام امتحان حقيقي، وكذلك خطة ترامب للسلام، لأن نتنياهو يتعمد المراوغة وابتداع الأعذار والمبررات الكاذبة للتملص من التزاماته بتنفيذ وقف إطلاق النار. وعلى واشنطن خصوصاً، أن لا تواصل استرضاءه ومنحه المزيد من الفرص لمواصلة سياساته التي قد تطيح باتفاق شرم الشيخ في أي وقت، إذا ما تمادى في اعتداءاته.