علي عبدالله الأحمد *

يضرب العرب مثل «ما هكذا تورد الإبل» لمن يتصدى لعملٍ دون إتقان، أو يؤدي مهمة بلا دراية وخبرة. أصل المثل يعود إلى الجاهلية، إلى رجل يُدعى مالك بن زيد مناة التميمي، وكان مضرب المثل في معرفة شؤون الإبل وحسن رعايتها. قيل إنه تزوج وترك أمر الإبل لأخيه سعد أثناء غيابه، فقام سعد بسوقها وسقايتها، ولكنه لم يحسن ما أحسن أخوه، ولم يرفق بها كما يفعل مالك. وحين عاد مالك ورأى ما فعله سعد، أنشد قائلاً: «أوردها سعدٌ وسعدٌ مشتملُ.. ما هكذا يا سعدُ تُوردُ الإبلُ»
فظل البيت حياً على ألسنة العرب، وتحوّل مع مرور الزمن إلى مثلٍ يُقال لكل من لا يحسن أداء عمله ولا يبلغ مستوى الإتقان المطلوب. ورحل سعد وبقي المعنى، يتناقل جيل بعد جيل عبارة: «ما هكذا تورد الإبل».
لكنْ للمثل اليوم بعدٌ آخر يتجاوز سوء التنفيذ أو قلّة الخبرة، فقد أصبح يُقال حين يغيب التوازن في النقد، أو تتخطى الكلمات مساحات اللياقة الواجبة في الحوار.
صحيح أن لكل شخصٍ رأيه، وأن الاختلاف سمة طبيعية بين البشر والثقافات، لكن حين تتفق الغالبية على أن الأسلوب كان قاسياً أو غير مبرر، يبرز المثل ليذكّر بإمكانية قول الفكرة ذاتها... ولكن بأسلوب أكثر تقبّلاً وغير مستفز للطرف الآخر.
لا يقال «ما هكذا تورد الإبل» لمن أخطأ فحسب، بل لمن يطرح رأياً أو نقداً بطريقة قد تُفهم على أنها انتقاص من الآخرين أو تقليل لتجاربهم، حتى وإن كان الدافع حسن النية.
قد يحقق الإنسان نجاحاً مرموقاً، ويبني تجربة ملهمة محلياً أو عالمياً، ويُنظر إليه كنموذج يُحتذى به. لكن النجاح، مهما كان لامعاً، يزداد جماله حين يقترن بالتواضع وتفهم تجارب الشعوب الأخرى وخياراتها. فلكل دولة ظروفها، ومرجعياتها، ومساراتها التي اختارتها بما يلائم مجتمعها وثقافتها وتاريخها.
ليس المقصود أن يمتنع الإنسان عن إبداء رأيه أو مشاركة خبرته، بل أن يفعل ذلك بحكمة تراعي خصوصية الآخرين، وتقدّر أن قادة وأبناء كل مجتمع هم الأعلم بشؤونهم، والأقدر على صياغة مستقبلهم بما يتناسب مع قيمهم واحتياجاتهم، خصوصاً عند الحديث عن دول عريقة تقود سياسات واقتصاديات العالم.
قد لا يكون من التوازن أن تُقاس تجارب الدول بزاوية نظر فردية أو بمعايير مشروع واحد، مهما كان طموحاً. وربما تكمن الحكمة في إدراك أن التنوع في الرؤى يثري العالم، وأن الاختلاف في الأساليب لا يعني خطأ أحدهما بقدر ما يعكس تعدد الطرق إلى الأهداف المرجوة.
إن المثل هنا لا ينتقص من الطموح، ولا يُقلّل من شأن الإنجاز، بل يذكّر بأن القيمة الحقيقية للرأي تُقاس بمدى ما يضيفه للحوار، وبقدر ما يُسهم في البناء لا الجدل. فالرأي يحتاج إلى لباقة، والتوجيه يحتاج إلى رفق، والنجاح يحتاج إلى سلاسة في الطرح، وليس الخطأ في أن نُعبر عن رأينا، ولكن في الطريقة التي نطرحه بها.
وكلما زادت شهرة القائل ازدادت مسؤولية كلمته، لأن للكلمة صدى يتجاوز قائلها. وقد تكون أحياناً في التمهّل، أو اختيار صياغة ألطف، وفي أحيانٍ معينة يصبح الصمت أكثر بلاغة من الكلام، لأن النجاح والإنجازات تتحدث عن نفسها.
عند الحديث عن العمران وخصوصاً بناء الأبراج والمجمّعات السكنية، فالأمر لا يرتبط فقط بقدرة الدولة والمطورين العقاريين على البناء أو تهيئة الأرض، بل يرتبط أيضاً بفلسفة المدينة وهويتها البصرية والمعمارية. المدن الأوروبية مثال واضح، إذ وضعت قوانين صارمة للبناء والتجديد والترميم، هدفها الحفاظ على روح المدينة المرتبطة بتاريخها، وعلى رمزية مبانيها وشوارعها وجسورها التي تروي قصة حضارة تمتد لمئات السنين. لذلك، فإن تشييد معلمٍ معماري جديد في مدينة أوروبية غالباً ما يبدأ بسؤال: هل ينسجم مع ذاكرة المكان أم يشوّهها؟
وفي هذا السياق، حين أُعيد بناء كنيسة السيدة العذراء ودار الأوبرا في مدينة درسدن الألمانية بعد أن دُمّرت في الحرب العالمية الثانية، لم يلجأ المعماريون إلى تصاميم عصرية أو مبتكرة، بل عادوا إلى المخططات الهندسية والمعمارية الأصلية، حفاظاً على التفاصيل الداخلية والخارجية كما كانت قبل الدمار. واستغرق ذلك المشروع عشرات السنين، لأن الهدف لم يكن مجرد إعادة بناء حجارة، بل إعادة روح مدينة كاملة، وصون إرثٍ يشهد على تاريخ وفن وذاكرة شعب.
وفي نهاية الأمر، يبقى لكل دولة رؤيتها وقوانينها التي تنظم البناء والعمران وفق ما تراه مناسباً لهويتها واحتياجات مجتمعها. فما يصلح لمدينة تاريخية قد لا يلائم أخرى حديثة، والعكس صحيح. ولذلك فإن لكل دولة اختياراتها في شكل مدنها، وتطورُ عمرانها هو جزء من تقدير خصوصيتها وسيادتها وفلسفتها في رسم مستقبلها.

* سفير دولة الإمارات في ألمانيا وفرنسا سابقاً