لعلّك واحداً من القراء الذين يحبون الروايات التي تنقل إليك الكثير من المعلومات العلمية، والتاريخية، والجغرافية، وحتى البيئية والمناخية، لكن في قالب سردي أدبي لا يأخذ الرواية إلى المعلوماتية المباشرة الجاهزة، بل، الذكاء الروائي هنا (.. وليس الذكاء الاصطناعي) أن تتحول هذه المعلوماتية إلى بناء تأملي، فلسفي، وفكري، يخدم الرواية بوصفها حكاية وليست مدونة علمية غريبة على القارئ.

وردت إليّ هذه الملاحظة في أثناء قراءتي رواية (ألف) للبرازيلي باولو كويلهو، ترجمة رنا الصيفي، وفيها معلومة عن بعض أنواع الخيزران ويقول كويلهو إنه كان يتصفح إحدى المجلات التي توجد عادة في غرف الفنادق ليقرأ مقالاً عن الخيزران الصيني: «حين تنثر البذرة، لا ترى سوى برعم صغير على مدى خمس سنوات، ويحدث النمو بأكمله تحت الأرض، حيث يتكون نظام جذري معقد ينمو صعوداً وخارجاً، ثم عند نهاية السنة الخامسة، يَشبّ الخيزران علوّاً خمسة وعشرين متراً».

تنام البذرة خمس سنوات تحت التراب، ثم تنبثق دفعة واحدة إلى الأعلى بعدما اكتملت قوّتها الجذرية التي تدفع الخيزران إلى خمسة وعشرين متراً في نموّ عمودي مفاجئ بلا انتظار وبلا بطء.

الإنسان، أيضاً، قد يحتاج إلى خمس سنوات ليعرف كيف يتكلم، لكنه يحتاج إلى عشرين عاماً ليتعلّم الصمت، وتلك كانت حكمة الخيزران، التي نصوغها نحن بلغتنا التي قد تكون استعارة من الروائي الذي قرأ بالصدفة مجلة ملقاة على منضدة في غرفة فندق.

ولكن ماذا عن حكمة الحدّاد؟ يقول كويلهو إنه دهش من عمل حدّاد كان يعيش على مقربة منه، كان الروائي يشاهد مطرقة الحدّاد وهي ترتفع وتسقط على الحديد الحامي وقد تبعثرت الشرارات في كل مكان، وذات مرة قال له الحدّاد إنه لا يقوم بالطرق على الحديد مراراً وتكراراً، وإنه في كل مرة ينزل فيها المطرقة، تكون شدة الطرقة مختلفة، أحياناً أشدّ، أحياناً أرق، وقد تعلم هذا بعد سنوات عدّة، إلى أن جاءت اللحظة التي يترك فيها يده ترشد عمله.

الحداد أيضاً مثل بذرة الخيزران، فقد احتاج إلى سنوات وسنوات لكي يتعلم، لكنه مع ذلك لن ينبثق أو يشبّ إلى أعلى خمسة وعشرين متراً، سيظل يطرق على الحديد، لكن، كل طرقة لا تشبه الأخرى.

الحب، أيضاً كما لو أنه يشبه عمل الحداد، فالقلب واحد، لكنك قد تحتاج إلى أربعين وصفة لتصل إلى الحبيب.

لن أبتعد بك بعيداً عن فكرة الحديد والخيزران صديقي القارئ، إنها حكمة الحديد القاسي الصلب، والنبات المرن، الخفيف، الرشيق، والمهم أن تقرأ.. لتفكر، وتتأمل، وتبتسم.