هل تُجيد التمثيل؟ تخيّل نفسك متقمّصاً دور معن بن زائدة في الحِلم، وما أصعب التحلّي به، في عالم يصحو فيه المستضعفون في الأرض، على الإبادة الجماعية، وينامون على التهديد بالحرب النوويّة. تماسك وتمالك، فالموضوع ثقافي. الآن، لقد شرُفتَ بدور الرجل الأسطوري، الذي يتلقّى لكمات الكلمات، بوسامة الابتسامة.
استعدّ، فخيالك وسيع بديع، سيدخل عليك آدميّ غريبةٌ أفكاره، مريبةٌ أطواره، أوهمناه، إيهاماً وإبهاماً، بأنك ممّن أدركتهم محنة الأدب، وأنهكتهم المعارف بالحَدَب، فلا تَثُر إذا أثارك، فيكتشف عِثارك. سيستفزّك: إن تربية الإبداع لدى الأجيال الصاعدة أن تنسلخ من القديم. مهزلة المهازل أن تسير على خطى الجاهليين والأمويين والعباسيين، والأندلسيين، وعصر المماليك، فإن شئت أن تحيا زمانك، فلا سبيل غير الفوضى الثقافية الخلاّقة، الحداثة وما بعد الحداثة، فالباقي كله رثاثة وغثاثة.
حذار الانزعاج والهياج والارتجاج والاحتجاج، عليك بالهمسة مع البسمة، واللمسة كالنسمة. قل له غير عابس، في سكينة كأنك لست بنابس: ما لك لا تنصح الأوروبيين: يا قوم، إنّما خير الإبداع الموسيقي، بدأ بالمونتاج: صرير السكة الحديد، نباح، مطرقة على سندان، خوار، عزف رياح في الفجاج.. ثم بلغ فنّكم علياء الرّاب، فلمَ لا تُلقون في سلّة المهملات، بخمسة قرون من الأعمال السيمفونية، التي أبدعها في القارّتين العجوز والجديدة، خمسة وعشرون ألف مؤلف موسيقي، من بينهم ألفان وخمسمئة مؤلف لروائع أوبرالية؟ فإذا فعلتم، فأكملوا الجمائل الثقافية، والفضائل المعرفيّة، بخمسة قرون من الآداب، شعراً ونثراً، ولا تدعوا حرفاً ممّا سطرته الأقلام، قبل الدادية والسوريالية والقصيدة البصرية وشعر الملصقات. لا تخافوا العقاب، فقد مرّت هيروشيما وناغازاكي من دون حساب، ثم، إنه لا أحد يسأل فاعلاً أو نائب فاعل، عمّا يفعل من فعل مضارع كامل، أو فعل ماضٍ ناقص. الضمائر تنصّلت من المسؤولية، هذا مستتر وذاك مضمر وذلك مقدّر، والبشريّة جملة لا محلّ لها من الإعراب.
فجأةً، انتبه ذلك الذي تقمّص دور معن، فرك عينيه وصاح: أين ذلك الغربيّ الذي باعنا حبوب الهلوسة، على أنها فراديس الآداب والفنون، فإذا الفنون جنون، وإذا الآداب عيون عمشاء خفشاء بلا أهداب، تبعث على العويل والنداب؟ قال: كان حُلماً مخيفاً. حقّاً، ما مصير كنوز قرون من إبداع الأساليب؟ إلى أمّ قشعم لانتهاء الصلاحية؟.
لزوم ما يلزم: النتيجة الحلميّة: القضية المعنيّة ليست قضيّة معن، فهي ألعاب لغوية لندرك أننا حائرون أمام ميراثنا، بلا مسؤولية.