أوّل قطفة من بستان معرض الشارقة الدولي للكتاب لهذا العام، كانت أمس من شجرة الشاعرة الأمريكية إميلي ديكنسون (1830-1886)، وكانت غلّة وافرة، وأقصد (الأعمال الشعرية الكاملة)، للشاعرة من ترجمة الشاعر د. عابد إسماعيل، الذي يعرف في كل ترجماته من أين بوسع المرء أن يشرب من رأس النبع، أو لنقل أنه يعرف من أين تؤكل الكتف، غير أن كتف إميلي ديكنسون نحيلة ورقيقة، فلا تؤكل حتى لو كان القارئ جائعاً، . إنها منحوتة أو أنها تمثال من الكلمات. وكم من الكلمات؟ تصوّر أن الأعمال الشعرية لديكنسون جاءت في 1084 صفحة من القطع الكبير، أي أنك في بحر من الشعر، وكلما قرأت كلما أحسست بالجوع.

لم أقرأ، ديكنسون من قبل، .. وربما كانت قراءات متفرّقة، مزاجية، أو عابرة، غير أن الأعمال الكاملة تعني أنك في بيت الشاعرة، أو في ضيافتها، ومن لياقة الضيف أن يقبل بالعشاء الذي يقدّمه له مضيفه مهما كانت المائدة، فكيف إذا كانت مائدة إميلي ديكنسون بكل هذا البذخ (الشعري)، وبهذه الأناقة، والوفرة بالماء، والضوء، والأرواح.

ينقل عن إميلي ديكنسون قولها إنها أمام القصيدة الحقيقية يصيبها البرد، ومنذ الصفحات الأولى في هذه الأعمال الشعرية الكاملة كما لو (أصابني) الجوع

.. ومنذ البداية، الجوع إلى الحب.. تقول في أوّل صفحة من هذا البحر المترامي الأطراف: «هذه الأرض مخلوقة للعشاق.. لفتاة عذراء وحبيب يائس، للتنهدات والهمسات الرهيفة، ولاتحادٍ من زوجين اثنين، .. كل الأشياء منهمكة بالحب، في الأرض والسماء والهواء، ولم يخلق الله الشيء المفرد سواك أنت في أرضه الجميلة. خلق العروس والعريس، ثم، الاثنين، ثم الواحد، خلق آدم وحوّاء ثم صديقة القمر، ثم الشمس، فكانت الحياة مطابقة للمثل القائل:.. من اعتصم بحبل الطاعة عاش سعيداً..»

كتبت إميلي ديكنسون قصيدة (أسبوع فالنتاين) التي اقتبسنا منها المقطع أعلاه في عام 1850، أي كانت في العشرين من عمرها بالضبط. ومن الواضح أنها قصيدة أكبر من عمر الشاعرة الشابة التي تجاوزت رومانسيات العمر إلى الحكمة الناضجة لامرأة مكتملة، ومن الواضح أيضاً أنها هجمت على الشعر أو أقبلت عليه بروح الأسطوريات الشعرية، مثل سافو اليونانية الموجودة دائماً، ولو من بعيد، في كل قصيدة تكتبها امرأة.

منذ البداية، وآمل أن أكون على صواب حيث أقف على حافة بحر ديكنسون، وأمامي أكثر من ألف صفحة من الشعر، أقول، منذ البداية، ديكنسون شاعرة استدراجية، غنائية، تضع في الورق والحبر شيئاً من البلّور أو الكريستال، ولأنها هكذا، عليك أن ترتدي ثياباً ثقيلة من الصوف وأنت تقرأ، كي لا يصيبك البرد، أو أوقد ناراً وأنت جالس أمام الشاعرة.