لا يزال البعض أسير أفكار قديمة ترى قطيعة بين الإبداع وأثره الاقتصادي، أو يصر على أن يحبس الجوانب الإبداعية في حيز التنظير ويربطها بالممارسات الفردية التي تدور في فلك الشخص وتتمحور فقط حول موهبته أو إمكاناته الشخصية، فضلاً عن أن عوائدها لا تتجاوزه، وهي أيضاً عوائد مراوغة، في تقدير هؤلاء، لا يمكن قياسها أو تعميمها.
هذه الرؤية لم تعد قابلة للاستمرار، بعد أن أصبح الربط بين الموهبة ونواتجها غير قابل للانفصال في مصطلح استقر في سياسات الدول باسم الاقتصاد الإبداعي. وهذا المصطلح أصبح جسراً متيناً بين عالمي الإبداع، بوصفه جهداً شخصياً يتولى تقييمه النقاد والمتخصصون وفق قواعد ذاتية أو نظرية، وبين الاقتصاد، باعتباره علماً قائماً على الأرقام التي لا تكذب غالباً، ويمكن أن تحتويها مؤشرات واضحة لا مجال للاجتهاد فيها أو التأويل غير العلمي.
هذا المجال، أي الاقتصاد الإبداعي، استقر في خطط دول كثيرة واستراتيجياتها، بحيث أصبحت تترجمه في تشريعات ومبادرات لا تتعامل مع المواهب على أنها أرواح محلقة في الفراغ، إنما هي أرباح حقيقية للفرد والمجتمع، ولا تتعامل مع مكونات الإبداع الذي يصلح لأن يكون اقتصاداً على أنه كماليات أو مناسبات نخبوية أو معنوية يصعب قياس أثرها بطريقة علمية.
الإمارات في قلب الدول التي فطنت لقيمة الاقتصاد الإبداعي، بل إنها تسهم في ترسيخ وجوده حول العالم، حتى تحققت لها الريادة في هذا الجانب. والريادة هنا أمر لا يقوم على المبالغة أو المجاملة أو الانحياز، فهي أيضاً، كما في بقية المجالات، صارت قابلة للقياس والدخول في معادلات لها مدخلات ونواتج رقمية واضحة.
هذه الرؤية قامت مبكراً على الانتصار لقيمة الإبداع البشري أو المهارات الفردية، ليس فقط في مجالات الأعمال التقليدية التي تميل أكثر إلى الاستثمار في مجالات قديمة ومباشرة، وإنما أضافت إليها مسارات تعزز معنى الاستثمار في الموهبة ونواتجها، بحيث تكون ذات معنى لصاحبها ومحيطيه القريب والبعيد.
ولم يكن ذلك ليتأتى لولا توجهات مقننة لاجتذاب الموهوبين والمبدعين في كل المجالات ومن كل أنحاء العالم إلى بيئة داعمة ومشجعة دافعة إلى التنافس في خدمة المجتمع والعالم، بتقديم ابتكارات وأفكار تفيد البشرية بالاستفادة مما يتوفر من تقنيات وسبل اتصال مفتوحة بين كل القارات.
هذه التوجهات حوتها برامج ومبادرات إماراتية متعددة خلال السنوات الماضية لدعم التوجه نحو الاقتصاد الإبداعي. وأسست الاستراتيجية الوطنية للصناعات الثقافية والإبداعية لمرحلة جديدة في مستقبل الاقتصاد الإبداعي، ورسخت أسساً قوية لتعزيز مساهمة قطاع الصناعات الثقافية والإبداعية في تحقيق التنمية المستدامة وتعزيز مكانة الإمارات كوجهة عالمية تستقطب الخبرات والمواهب.
ومحصلة ذلك التي أصبحت متاحة بالأرقام، أن هذه الصناعات المكونة للاقتصاد الإبداعي مثل النشر والسينما والموسيقى والمتاحف والأحداث الثقافية الكبرى والمواقع التراثية وصناعة البرمجيات، وألعاب الفيديو، والتصميم لم تعد ترفاً.
اقتصاد وإبداع
11 نوفمبر 2025 00:09 صباحًا
|
آخر تحديث:
11 نوفمبر 00:09 2025
شارك