هل خطر ببالك هذا الاستقصاء لأبعاد الأمن القومي الثقافي، عند التعامل مع الذكاء الاصطناعي؟ من مفاجآت وزارة الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي، في «مؤتمر الإمارات الصحفي الدولي 2025»، هذه الومضة الباهرة: «قياس توافق نماذج الذكاء الاصطناعي مع الثقافة المحلية». لا يحتاج النهار إلى دليل، فالثقافة المحلية للدولة هي بلا ريب عربية إسلامية. أي إن مستجدات العلوم والتقانة لا تؤخذ على علاّتها وبِلاّتها، من دون سين جيم، وتقويم، ومرور على صراط مستقيم، فإمّا أن تأتي المكتسبات بقلب سليم، وإمّا فالردّ معلوم.

العلوم والتكنولوجيا ليست بالمطلق فضائل أو رذائل، لأنها أوّلاً وآخراً أدوات. لا فرق بين السكين والطاقة النووية. ذلك يقشّر التفاح، أو يثخن الجراح، وتلك تنير سديماً، أو تترك هيروشيما هشيماً. الذكاء الاصطناعي سيصنع ويبدع قطعاً، مثلما فعل الذكاء البيولوجي، وسيأتي بما لم تستطعه أوائل العقول وأواخرها، ولكن العثرات لن تُعدّ بالعشرات، فإلى أين المسير؟ ألا من حساب عسير؟!

قد تبدو الجملة مجرد تبصرة لمادة قانونية، أو توضيحاً لقرار إداري تنفيذي مفاده: يجب أن تكون تطبيقات الذكاء الاصطناعي متوافقةً، غير متعارضة مع قيمنا الثقافية. هذه أمور غير ذات بال تنطبق على المواد الاستهلاكية أيضاً، ولكنها لا تُحدث تغييرات جذريةً مئةً وثمانين درجةً، ولها آثار مصيرية. تلك العبارة التي تبدو كما لو كانت صيحةً دعائيّةً، إنما هي عند التأمل بذرة تكوين لمناعة إزاء مفاجآت مجاهيل العلوم والتكنولوجيا.

من الضروريّ الالتحاق بركب العالم المتقدّم في البحث العلمي، الذي لم تعد تتحرك فيه المعارف والعلوم ذات التخصصات المتعددة والتكنولوجيا، من دون فلسفة العلوم. الدول تمتلك أدوات علميةً وتكنولوجيةً، لكنها كمن يمتطي ديناصوراً بلا مقاليد. تستطيع بمعجزة التقدم ركوب سفينة، لكنها هي التي تقودك، وأنت خارج قمرة القيادة.

الأمثلة كثيرة خارج العلوم والتكنولوجيا، فالرأسمالية اكتسى وجهها بجبال من مستحضرات التجميل، لكنها حين تغولت شادت إيفريست مديونية من ستة وثلاثين تريليون دولار في الولايات المتحدة وحدها. البيولوجيا عظمة، لكن فيروساً لا تراه العين، يستطيع جعل مئات الملايين أثراً بعد عين. لجام التوافق ضروري.

لزوم ما يلزم: النتيجة الفكرية: تهدهدك السكينة عندما ترى أن التقدم العلمي والتكنولوجي يفكر.

[email protected]