هل لاحظتَ اللعبة الموسيقية بالكلمات، في عمود «توافق الذكاء الاصطناعي والثقافة»؟ في الموسيقى ساد فن الطباق الموسيقي (الكونترابانط)، قروناً، وتوارى تقريباً. يتمثل في عزف الأوركسترا جملاً مختلفةً لحنياً، ولكنها متزامنة ومتوافقة. ذلك ما فعله القلم في تلك الخاطرة بالشكل والمضمون. كان المبنى مستوحىً من أساليب النثر العربي، في القرون الخالية، بينما كان المحتوى عن آخر ما بلغته التكنولوجيا اليوم.

عندما ظهرت المعلوماتية والحواسيب والشبكة، كثُر استعمال مصطلح التوافق (كومباتيبيليتي)، إلّا أن هذا المفهوم ظل حبيس أنظمة التشغيل والبرمجيات وما إليها. للأسف، ليس مألوفاً في الأوساط الفكرية والثقافية العربية، نقل هذا المصطلح الرهيب المهيب إلى ميادين الثقافة، واستخدامه للتجارب الاختبارية في الفكر والتاريخ والأدب والنقد والعلوم السياسية والاجتماعية والفنون.

وراء هذه الأكمة الكثير. شيء عادي أن يسهر خلق المهندسين ويختصموا، لحل مشكلة عدم توافقِ برمجيةٍ مع نظام التشغيل «ويندوز»، لكن صفوة المفكرين والمثقفين في أربعمئة مليون عربي، لا تستفزّ أذهانهم معضلة لا مثيل لها في تاريخنا: ماذا نحن فاعلون بأكثر من خمسة عشر قرناً من أساليب الإبداع بالكلمة العربية، التي لم تعد متوافقة مع أساليب الكتابة اليوم؟

ليس معهوداً التحليل بالدعابة والكاريكاتور. تخيّل نفسك أمام خيار، بين مكتبة تضم أعمال ألف وخمسمئة عام، لم تعد تستفيد منها ولا حتى بواحد من الألف، وبين الخروج من هذا المولد بجهاز حاسوب محمول. صحيح أنك عبر الشبكة، تجد كل تلك المكتبة، ولكن العلاقة بها تتراجع. يتوهم الكثيرون أن الأضرار هيّنة، فقد غلبت اللغة الأجنبية على العربية. بمرور الزمن يفكّر الإنسان بلسان غيره. العالم العربي لا ينتج العلوم، بل يستهلك المنتجات التكنولوجية، وعندما نضيف إلى هذه المحنة تداعي دعائم الهوية، جيوسياسياً والفجوات التنموية والغذائية، وفي البحث العلمي، مع أخطار التبعية الثقافية في جلّ الأجناس الأدبية ومدارس الفنون وتياراتها، ندرك عمق الهوة بين الميراث الثقافي ومستحقّات مواكبة العصر، جرّاء غياب التوافق، الذي ستفاقمه مستجدّات التطوّر.

لزوم ما يلزم: النتيجة الإيجازية: كل هذا الكلام لا لزوم له. كان في الإمكان اختصاره في جملة: غياب التوافق بين ماضينا وحاضرنا. لكن، من يقبل عنواناً والعمود فارغ؟