شكلت القمة الأمريكية- السورية علامة فارقة في تاريخ العلاقات الثنائية بين البلدين، التي اتسمت بمنسوب عالٍ من التوتر، ونادراً ما ظهرت بمظهر العلاقات الطبيعية السائدة بين الدول، ويعود ذلك إلى العديد من الأسباب، التي كانت دائماً محل تراكم للمشاكل مع انعدام فرص الحلول.
تأتي قمة الرئيسين الأمريكي دونالد ترامب والسوري أحمد الشرع، في ظروف إقليمية ودولية استثنائية ودقيقة، حيث الحاجة متبادلة لإعادة صياغة علاقات يُبنى عليها بعد توتر وانقطاع وظروف دخل فيها الكثير من الوقائع السلبية التي نتج عنها تباعد العلاقات البينية، ورغم ذلك شكل سقوط نظام الحكم في دمشق فرصة ذهبية لإعادة تقييم الأوضاع في المنطقة، ومن بينها تحديداً سوريا.
وفي واقع الأمر يعتبر اللقاء سابقة في تاريخ العلاقات البينية، حيث زيارة الرئيس السوري هي الأولى من نوعها فيما سجل لقاء قمة سوري- أمريكي في دمشق عام 1994 بين الرئيس الراحل حافظ الأسد والرئيس الأمريكي بيل كلينتون، إبان محاولة حياكة ظروف سلام عربية إسرائيلية والتي لم تصل إلى نهايات محددة، بسبب رفض إسرائيل الانسحاب من مرتفعات الجولان المحتلة، واختيارات دمشق آنذاك عبر تحالفات مع طهران وما أنتجت من آثار وتداعيات على مجمل واقع الشرق الأوسط ومشاريع السلام في المنطقة.
اللقاء الثالث بين الرئيسين ترامب والشرع، الأول في الرياض برعاية سعودية، والثاني على هامش أعمال الأمم المتحدة، سيؤسس لخريطة طريق ذات طابع ثنائي ومتعدد الأطراف، الأول سيتيح لدمشق العودة إلى الواقع الدولي من البوابة الأمريكية وبدعم واضح ومحدد الأهداف والغايات، إضافة إلى الوجه التعددي ذات الطابع الإقليمي المرتكز أساساً على الخارطة الأمريكية المتصلة باتفاقات إبراهام والسلام والتطبيع مع إسرائيل. وبصرف النظر عن حجم هذا الانخراط، يبدو أنه سيكون العنوان الرئيسي لأي علاقة قابلة للحياة مستقبلاً بين الطرفين.
ثمة تقارير أمريكية أشارت إلى أن لقاء القمة سيدعم إعادة إحياء جلسات إسرائيلية سورية تتصل بإعادة تفعيل اتفاق فك الاشتباك القديم، وتثبيت حدود واضحة تلجم أي تصعيد إسرائيلي محتمل، وإن كانت فرص تحقيق تقدم لا تزال رهينةً في الحسابات الإسرائيلية الداخلية والضغوط الأمريكية المتشابكة. علاوة على دخول دمشق في التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب ومواجهة تنظيم «داعش» في المنطقة.
وفي مقابل ذلك، ثمة آمال سورية تعلق على دعم إعادة بناء مؤسسات الدولة، وإعادة الإعمار وعودة اللاجئين، كل ذلك برعاية أمريكية فاعلة عبر رفع العقوبات التي بدأ المضي بها، ومشاريع الاستثمارات التي تعلق دمشق آمالاً كبيرة عليها. وهي ملفات تتطلب معالجتها برؤية شاملة تُعيد بناء عقد اجتماعي على أسس مبتكرة، تراعي بين التوازن بين متطلبات الأمن وضرورات الانفتاح السياسي.
من الواضح أن ثمة محاولة سورية قام بها الرئيس أحمد الشرع، عبر رؤية متوازنة في نسج العلاقات مع الدول الكبرى، حيث زار موسكو وأجرى محادثات بدت وكأنها إعادة ترتيب علاقة كانت استراتيجية إبان النظام السابق، ويتم البحث الآن عن صيغ مقبولة للطرفين، وهي محاولة أنجزت قبل لقاء القمة الأمريكية السورية.
ويبدو أن ثمة محاولة سورية واضحة، على أن لا يعتبر هذا اللقاء، لقاء دبلوماسياً أو بروتوكولياً، وإنما لقاء يؤسس لمرحلة قادمة برعاية أمريكية واضحة المعالم والأسس، وبخاصة مسائل السلام في الشرق الأوسط، عبر تموضع إقليمي جديد.
في أي حال من الأحوال، ثمة محاولة متبادلة بين الطرفين للمضي في سياقات بنائية تتجاوز ما كان في الماضي من توتر وصل إلى مراحل الصدام ولو بطرق غير مباشرة، وما يؤكد ويعزز الاهتمام الأمريكي
هو العمل على إقامة قاعدة عسكرية أمنية في دمشق بدلاً من القاعدة في الشمال السوري، حيث سيطرة (تنظيم قصد)، رغم النفي السوري لذلك.
ثمة آمال طموحة عُلقت على لقاء القمة، وبصرف النظر عن بعض الصعوبات التي يمكن أن تظهر من بعض الأطراف الإقليميين والدوليين، فإن من الطبيعي والواضح أن ثمة مصاعب ستواجه طريق بناء العلاقات المستجدة، سيما وأن وضع سوريا الجيوسياسي سيشكل علامة فارقة في إصرار بعض الدول الإقليمية الكبرى على البقاء في حالة يقظة إزاء الوضع السوري، ومن بين هذه الدول تركيا وإيران ومصر والسعودية، إضافة إلى روسيا، والصين التي لم تصوت في مجلس الأمن على رفع العقوبات عن سوريا وإزالة اسم الرئيس السوري من اللائحة السوداء.
في المحصلة ثمة مسار يبدو طويلاً قبيل تحقيق أهداف رئيسية يسعى إليها الطرفان الأمريكي والسوري، سيما وأن بعض الموضوعات مرتبط بعمق تاريخي طويل، يستلزم الكثير من المتابعة قبل الوصول إلى نهايات مرغوبة بين أطراف لم تجمعها يوماً رؤية موحدة قابلة للحياة.