كان صباح أمس في بيت الحكمة في الشارقة، صباح محمود درويش كلّه من البروة مسقط رأسه في ضواحي حيفا إلى القاهرة، فبيروت، ثم تونس، فباريس، وإلى عمّان، ثم إلى رام الله، حيث توقف صهيل الحصان، وقد امتلأت عيون الذين حضروا معرض «لاعب النرد.. محمود درويش» بالدموع، حين سمعوا:.. إلى أين تأخذني يا أبي.. إلى جهة الرّيح يا ولدي، ولماذا تركت الحصان وحيداً؟ لكي يحرس البيت يا ولدي.

معرض محمود درويش في بيت الحكمة هو باختصار حياة الشاعر من الألف إلى الياء: أوراقه، رسائله، صورة الأم، صورة الأب بكوفيّته وعقاله، صور الشاعر وهو يقرأ، صور شهاداته المدرسية في الابتدائية والإعدادية والثانوية: الرياضيات ممتاز، اللغة الإنجليزية ممتاز، اللغة العربية ممتاز،.. وعلى هذه الأرض ما يستحق الحياة.

معرض التجوال، والتأمّل، والتعلّق بصاحب «سجّل أنا عربي» من جديد، معرض ذاكرتنا وأرواحنا وتاريخنا الجمالي الذي كتبه محمود درويش مثلما تطرّز النسوة الفلسطينيات ثيابهن الشعبية بالإبرة وخيط الحرير.

على مدار عامين من الزمن اشتغل فريق عمل نبيل في بيت الحكمة على تجميع كل أو أغلب ما يخص حياة الشاعر الذي حوّل فلسطين إلى أيقونة حتى عند أطفال العالم.

أكثر من جهة فلسطينية وعربية شاركت في التقاط تراث محمود درويش لكي يتعمّق حضوره في الغياب أكثر وأكثر، تماماً، مثلما تذهب جذور السنديان في قلب الأرض، وتعانق أغصانها السماء.

استعادت الشارقة صاحب «أوراق الزيتون» بكلّيته الوجدانية والروحية والأدبية، كما استعادته إنساناً، وشاعراً، وعاشقاً، أبدياً للحياة التي عاشها بأناقة، مثلما، كان يكتب بأناقة.

تجوّلنا صباح أمس في حياة درويش، وأصغينا إلى روحه التي اتخذت شكل قصيدة مثل الغيمة فوق رؤوسنا في مكان مملوء بأرواح الكتب، التي بدت كما لو أنها ترحّب بالشاعر لا بوصفها ورقاً وحبراً وروايات أو قصائد، بل، بكونها كائنات حيّة تحتفي بالغائب الحاضر، أو الحاضر الغائب.

مارسيل خليفة صديق درويش ومغنّيه المصبوب مثل الياقوت في العود كان هناك. حكى لنا كيف تعرّف إلى درويش وكيف تحوّل غناء شعره إلى موقف وبطولة.

غَنّى مارسيل خليفة صباح أمس في بيت الحكمة. غنّى برفق وهدوء كما لو كان درويش أمامه أو إلى جانبه، غنّى أحنّ إلى خبز أمي وقهوة أمّي، غنّى: بين ريتا وعيوني بندقية. غنّى ما كان يحبّه درويش، وما كان يحرّك وتر قلبه.

أكثر من ساعة وضيوف المعرض في تجوال يشبه السلام على روح الغائب، أو يشبه عائلة تزور ابنها البار الذي جعل فلسطين فكرة، وأغنية، وتحية بالشعر وباللغة وبالجمال، لا بالرصاص، ولا توحش السلاح.