هل خطرت ببالك تجربة القفز خارج أسوار المألوف في التحليل السياسي؟ مثلاً، هل حاولتَ فهم غرائبية سلوك الإمبراطور، السياسي والدبلوماسي، الذي يُفضي دائماً إلى «دبْل مآسي»؟ما أكثر الذين، في الحلبات الجيوسياسية، أعياهم فكّ الرموز الزئبقيّة في مواقف الباب العالي بواشنطن.
قلت للقلم: إذا نضبت أنهار التفكير، فلا عزاء لأمّة أقلامها بلا تنوير، ولا مشاركة بالفكر والرأي والتعبير، في شؤون تقرير المصير. قال: لقد طرحتَ موضوعاً في غاية الجدية، ولكنني خشيت أن تكون أنت أيضاً، موضة تحليل تقليدي، فلا تتحمل وطأة الصدمة، وما بها من صنوف الكدمة والرطمة واللطمة. أرجوك، أفِقْ خفيف الفهم، سأهمس لك بأمور لا تسمعها في ظرف مكان أو زمان آخر.
قبل مئة عام، ظهرت فيزياء الكوانتوم، في سماء العلوم والحياة العامة. اكتسحت الأوّل والآخر، الحواسيب والهواتف، وحتى الثلاجة والغسالة، لا استثناء، فهل تتوهم أنه في المستطاع إدراك غوامض السياسة الدولية، من دون أدنى أدبيّات فيزياء الكم؟ طبيعي أن يزدريك من يفكّر بطريقة تقليدية، حين تقترح عدم استبعاد حتى أحدث النظريات العلمية، لفهم ما وراء الأباطيل التي يسوّقها عتاولتها على أنها قيم حضارية، من ذلك الصنف الذي لعبت شموله بالرؤوس، من كفّ كولن باول وطوني بلير وبوش الابن.
الإمبراطور ليس في فيزياء الكم نيلز بوهر، ولا ماكس بلانك، ولا هايزنبرغ، لكن أساليبه في السياسة والدبلوماسية، لا يمكن فهمها إلاّ بالكوانتوم. ما تراه ليس هو الواقع. ما يتراءى لك له صور أخرى. هل تذكر أبّهة الجنرال كولن باول، وترّهات قارورة أسلحة الدمار الشامل، في يده، في مجلس الأمن؟ هو كان يرى نفسه كائناً مجهريّاً. الأضحوكة، رئيس وزراء بريطانيا العظمى، يعترف بالأكذوبة التي دمّرت العراق. لك الله، يا هارون. أنت تستحقّ مصيراً أقلّ استهانةً بالبروتوكول. لكنك لست وحدك، معك نبوخذنصر، حمورابي، القائمة لا تقعد، من إندونيسيا إلى أندلوسيا. المفيد، الدبلوماسية التي تعمل بنظريات أرخميدس وإقليدس إلى نيوتن، لا تقوى على فهم تقلّبات مواقف ترامب. هو كالإلكترون لا يستقر في نقطة، وهو جُسَيْم وموجة في آن، وبينه وبين حليفته المدلّلة تشابك كمّي، علاقة لا فصام لها.
لزوم ما يلزم: النتيجة الإضافيّة: على كليات العلوم السياسية والاجتماعية العربية، أن تفكر في إضافة أدبيات فيزياء الكم.