الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

محاذير البروليتاريا الأسلوبية

21 مايو 2026 00:01 صباحًا | آخر تحديث: 21 مايو 00:01 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
ما رأيك في دخول بيت اللغة، متسللين إليه من دار الموسيقى؟ لا سطو في ذلك ولا عدوان. هل تتصوّر أن عازف بيانو يستطيع أن يبلغ قمم المهارات الخارقة، من دون أن يتسلق الوعور والصعاب في التقنيات، إلى أن يرتقي إلى سدّة الصفوة، فريديريك شوبان وفرانز ليست؟ إذا بدا لك الرأي صائباً، ولم تكن عائباً، فما بال منسوب الجماليات الأسلوبية، في النصوص التي يُفترض فيها الانتماء إلى الإبداع، ينخفض فينضب ماؤه وينقطع خريره؟ هل لديك تفسير وتعبير، غير أن المردّ الافتقار إلى عناصر تغذية التربة، وشحّ روافدها، وانعدام الرعاية، فإذا مسيرة التجارب سنون عجاف؟
لا بدّ من إعادة النظر في الكثير من الآراء التي يدمغ بها البعض الثقافة، بغير وجه حق، بذريعة أن الإبداع لا يُصنع. القول إنه لا يُصنع، هو نصف الحقيقة. توفير التربة المناسبة والرعاية الفائقة هي المعادل لصنعه وصناعته. مراراً ضرب القلم المثل بالمعاهد الموسيقية، التي يتدرّج فيها طالب العزف، عبر فهرست أعمال من التمارين الابتدائية إلى أعقد الآثار في السنة الأخيرة، حتى إذا بزغت في أفق موهبته شمس التأليف الموسيقي، كانت له مهارات التقنيات سنداً ومددا.
من المضحكات أن مقرر مناهج الفرع الأدبي يُهدر السنوات في حشو مخ الطالب بأرشيفات تاريخ الأدب ومدارسه، والمذاهب النقدية، وهي أمور لا علاقة لها بالإبداع والجماليات الأسلوبية، من قريب أو بعيد. تخيّل شخصاً يتخرج في كلية الطب، وهو موسوعة في تاريخ المهنة، من قبل «أبوقراط» إلى مجدي يعقوب، لكنه لم يمارس الطب. ما جدوى الإحاطة العميقة بتاريخ الموسيقى ومذاهبها، إذا لم يمارسها الدارس؟ ما لم يفكر في عواقبه واضعو المناهج العربية هو أن الطالب لو قضى عشرين سنةً في دراسة خصائص أساليب أبي حيان التوحيدي وعبد الحميد الكاتب وابن العميد والزيات وأحمد أمين، من دون أن يجرّب انتهاج أساليبهم في الكتابة، لاكتساب المهارات، لا لاقتفاء آثارهم وتقليدهم، فلا أمل في إبداع أسلوب ذاتي نسيج وحده. عندما يتدرب الطالب على موتزارت وبيتهوفن ورحمانينوف وبارتوك، فإن الهدف ليس أن يغدو هو هم.
لزوم ما يلزم: النتيجة الأسفية: عندما لا يدرك التربويون هذه البديهيات، حسبنا الله ونعم الوكيل.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة