في اليوم الأخير من الدورة الرابعة والأربعين لمعرض الشارقة الدولي للكتاب نستحضر العبارة الأليفة المتداولة: «لا نقول وداعاً، بل، إلى اللقاء» في الدورة الخامسة والأربعين، بعد عام من القراءة والعلاقة اليومية مع الكتاب.
اثنا عشر يوماً مرّت بصباحاتها ومساءاتها مثل طيف من الورق، وأيضاً طيف من الحياة والعلاقات والأصدقاء والفعاليات والضيوف والشعراء والمترجمين والناشرين والصحفيين، والكتّاب، والوكلاء، والموزّعين.
قطاع بأكمله كان ملء العين، وملء القلب بدءاً من مؤتمر الناشرين الدولي الذي جمع في برنامجه آلاف صنّاع الكتاب من شرق العالم وغربه، إلى مؤتمر المكتبات، إلى ندوة مجلة «كتاب»، إلى الندوات واللقاءات الفكرية والأمسيات الشعرية في إطار عملي يومي منظم وفي أعلى درجات الشفافية والمرونة اللتين عرف بهما فريق عمل المعرض، وغالبيته من الشباب والشابات، فضلاً عن فريق آخر من الشباب المتطوّعين الذين تقرأ مبادراتهم هذه على أنها حب للكتاب، وشغف بالقراءة.
التقينا أصدقاء كنّا نعرفهم، وتعرّفنا إلى كتّاب وناشرين وإعلاميين التقيناهم للمرة الأولى في حضرة الكتاب الذي لا يوحّد الصداقات الإنسانية الفردية فقط، بل ويوحّد أيضاً، أرواح الحضارات والثقافات.
أمضيت نحو أربعة أيام زائراً منتظماً إلى جناح جمهورية اليونان، أقرأ، وأنسخ، وأكتب بين مجموعة من الكتّاب والصحفيين والناشطين الثقافيين الذين تولّوا تنظيم وإدارة الجناح اليوناني الذي جمع بين عناوين عربية ذات محتوى أدبي وثقافي يوناني، وعناوين باللغة اليونانية، والإنجليزية، أعطتنا فكرة موسّعة عن ثقافة بلد ولدت فيه الفلسفة، وأنجب أعلاماً كباراً في التاريخ، والطب، والنحت، والرياضيات.
عاينت حركة زوّار المعرض، ورأيت رجالاً ونساءً يدفعون أمامهم حقائب مملوءة بالكتب، وسعدت بصفوف الأطفال وتجمّعاتهم أمام الأجنحة الخاصّة بهذا الجيل الذي يلتقط خيط المعرفة ونعمة القراءة منذ سنوات عمره الأولى.
حاولت أن أعرف ماذا تقرأ الجاليات المقيمة في الإمارات من خلال معاينة زوّار الأجنحة الأجنبية التي تطرح كتباً بالإنجليزية، والفرنسية، والهندية، والصينية، والإسبانية، والروسية، والألمانية، وهي اللغات التي تقرأ بها اكثر من مئتي جنسية مقيمة في الدولة وسط بيئة تعايش مثالية مكفولة باحترام الثقافات والأفكار.
معرض الشارقة الدولي للكتاب ليس مجرّد مكان وزمان لطرح الكتب وتداولها وبيعها فقط، بل هو أيضاً أفق ثقافي إنساني لتلاقي القرّاء من الشرق والغرب، وأيضاً، تلاقي اللغات عبر الكتب التي هي هوية البشر الثقافية الواحدة.
في كل دورة من المعرض تتعزّز وتتعمّق هذه القيم وهذه الأخلاقيات الإنسانية، ليحقق مشروع الشارقة الثقافي بهذه الرؤية الحضارية المدنية رسالته، وأهدافه، وعمقه العربي والعالمي.