وليد عثمان
حتى قبل سوءات «الربيع العربي»، كانت رهانات تمزيق المنطقة تقوم على خلق الثنائيات في كل دولة، بدءاً من الأقطار المركزية في الخريطة العربية وصولاً إلى البقية.
الهدف الأخير لهذه الرهانات هو هدم ما استعصى طويلاً على التفتيت وإرجاع المنطقة إلى كيانات صغيرة يسهل التفرد بكل منها، وتكون بديلاً للدولة المركزية التي مثلت لعقود إطاراً جامعاً لمكوناتها المتنوعة. وفي سبيلها لتحقيق هذا الهدف، فعلت القوى الساعية إلى هذا التفتيت ورسم حدود جديدة للمنطقة إلى فعل كل شيء: استغلال تعرض بعض المكونات للتهميش وتعظيم مشاكلها وخلق «زعامات» منها بحجة الدفاع عن قضاياها، والمشي بالفتنة بين كل الأطراف في الوطن الواحد وحث كل منها على المطالبة بما سمي حقوقاً تاريخية ضائعة، وإذكاء نيران الاختلاف وتعصب كل مكوّن لمعتقده أو انتمائه الأصغر واستعداده لقتال المخالف له، عوضاً عن توحد الجميع تحت راية وطنية واحدة تسمح بالتنوع والتعدد، باعتباره قوة، رغم الاختلافات التي لا يجوز أن تضيع البوصلة الجماعية.
ولا خلاف على أن ممارسات بعض الأنظمة السياسية في المنطقة أوجدت ثغرات أمكن النفاذ منها إلى أجساد دول في المنطقة فيما مثّل بداية للتفتيت بشكل ضيّع من عمرها عقوداً في محاولات استعادة ما كان من وحدة، بل إن البدائل القاسية والمدمرة خلقت حنيناً إلى ما كان قائماً بخلوه من التناحر الطائفي والقتل على الهوية والسلاح المنفلت الذي يرفعه كل مكون في وجه الآخر.
ولا يمكن التغاضي عن أن جماعات وفرقاً في المنطقة كانت مخالب القوى المراهنة على تفتيت المنطقة، ولعل أحداث «الربيع العربي» كشفت ما كان مستتراً من ممارسات هذه الجماعات التي حانت لها لحظات تاريخية اعتبرتها فارقة في مسيرة تمكينها المتوهم من التفرد بالقرار العربي وأحلامها القديمة بالقفز على عروش الحكم، حتى ولو في دول لم يعد لشكلها الحقيقي أثر، أو في أجزاء منها بعد أن تشظت.
نشطت هذه الجماعات، ولا تزال، في التهوين من معنى الوطن واعتباره مجرد حفنة من تراب لا قيمة لحدوده أو عناصر تميزه عن غيره. ورغم هزيمة هذا المشروع في دول مركزية بالمنطقة، لا يزال أصحابه، مدفوعين من قوى إقليمية ودولية، يجهدون في تطبيقه في مناطق أخرى أكثر قابلية للتفتت، ومنها يمكن محاولة الإجهاز مرة أخرى على الدول التي تمسكت بوحدتها ومتانة مكوناتها في وجه الفتنة.
في سبيل الهوس بالمشروع المدمر، لا تزال هذه القوى تلعب على وتر الثنائيات المدمرة: جيش طائفي الولاء منقاد لأغراض من يسيطر عليه ومن يوظفه، بدلاً من الجيش الوطني، مؤسسات وجبهات تتخفى في مسميات براقة وتتاجر بدم شعوبها، في موازاة ما استقر من تنظيم رسمي رغم أي خلاف عليه، زعامات وقيادات مصطنعة تتحرك بما حلمت به من ألقاب ومنافع ولو على جثة البلد.