هل حاولتَ حوصلة مشكلات تدريس العربية في بلاد العرب؟ أنظمة التعليم قضت قرناً وهي تفكّر: تطوير أساليب التدريس ذو جدوى أم لا؟ يبدو أن «لا» هي الفائزة بقصب الجمود. يرى القلم علّة التكلّس في النظر إلى اللغة كمجموعة موادّ بناء، كأدوات. اللغة فوق موادّ البناء والأدوات. للأسف، مجموع المقرر الدراسي يزرع في أدمغة التلاميذ والطلاب، أن العربيّة مجرّد طابوق وأسمنت، لَبِنات كلماتٍ بينها أدوات.
لكن المفردات والأدوات نفسها تنافي صورة الآجرّ والأسمنت، فعند إعراب بيت من الشعر الكلاسيكي، ترى في مواضع عدّة عبارة «لا محلّ له من الإعراب»، أي لا دور له، ولا حتى دور كومبارس. السؤال فلسفي وجودي: كيف تستطيع إثبات وجود شيء، ولو رمزي، إذا لم يكن له دور؟ هل لديك رحابة ذهن ساخرة؟ ذلك في الفيزياء ممكن، يكون كالجُسيْم ذي الشحنة السالبة. لكن، في النحو، دوره هو أنه لا دور له.
كيف نستطيع أن نقيم فكراً له دعائم راسخة، بأدوات لا محلّ لها من الإعراب، والغريب أن المعنى لا يستقيم من دونها. هذه المرّة أيضاً، الحلّ في الفيزياء.
مثلاً، المادة السوداء والطاقة السوداء لا يعرف العلم ما هما، لكنه يرى الدلائل، فمجموع المادّة في المجرّة لا يكفي لإحداث قوّة دورانها. مسألة تشبه أن ترى قطّاً يجرّ شاحنةً، وراء الهرّ سرّ، لا شك.
كيف أضحى ما لا محلّ له من الإعراب جزءاً من بنيان لغتنا وطريقة تفكيرنا؟ الفرصة سانحة من باب الاحتياط، لفحص كل المناهج من الابتدائية إلى نهاية الجامعة، بحثاً عن كل ما لا محل له من الإعراب، في الرياضيات والعلوم، والعلوم الإنسانيّة، مع عدم نسيان مقولة عبقري الرياضيات الفرنسي، سيدريك فيللاني، (مهم لأنه سَيُدريكَ)، الذي أوصى بنسف مناهج العلوم في فرنسا، لتخلفها عن العصر. هو لا يعني المناهج العربيّة.
للتأمل العميق: قبل ظهور علوم اللغة وتعقيداتها، لم يكن العرب الجاهليون يتلقّون لغتهم كطابوق وأسمنت. كانت الملَكَة اللغوية تتشكل تلقائياً، والأروع أن الإبداع الشعري لم يكن مكتسباً بالدراسة.
كانت جنّيّات وادي عبقر تسقي القرائح بشهد رضابه.
لزوم ما يلزم: النتيجة التعجيزية: التحدي هو أن تعثر في كلام الجاهلية على عبارة «لا محل له من الإعراب»، ولا من الأعراب.
مناهج العربيّة بتأمّلات مختلفة
16 نوفمبر 2025 00:19 صباحًا
|
آخر تحديث:
16 نوفمبر 00:19 2025
شارك