يضع الشاعر والمترجم العراقي حيدر الكعبي مقدمات مكثفة موجزة لحيوات الشعراء الأوروبيين الذين ينقلهم إلى العربية بلغته الصافية المكثفة أيضاً، ويكتب للقارئ قصة قصيرة تدور حول ميلاد الشاعر، والظروف التي احاطت بطفولته بشكل خاص، وبالطبع، هي دائماً الظروف التي تشكل شخصية الشاعر الأدبية والإنسانية والثقافية.
وفي ضوء هذه المعطيات الحرفية التي يكثفها الكعبي في مقدماته نقرأ الشعر بشكل أوضح، بل، وبشكل أجمل.
توقفتُ عند حياة الشاعر الأمريكي من أصل صربي تشارلز سيميك (1938-2023) الذي ترجم له الكعبي قصائد وضعها تحت عنوان «البحث عن المتاعب»، وصدرت في عام 2024 عن دار «غاف» في دبي، ومنذ البداية يبدو عنوان هذه المختارات ليس شعرياً، فمهنة البحث عن المتاعب هي الصحافة كما هو مرتبط عادة في ذاكرتنا المهنية، غير أن القصائد برمّتها هي طيف شعري ملون مثل قوس قزح وهي بذلك التكثيف اللغوي الذي يوصف باقتصاد اللغة، كلمات أقل وأفكار أكثر.
ولكن ماذا عن طفولة سيميك؟ وماذا عن الجوع الذي عرفه هذا الشاعر في زمن الحرب؟ وكأن الجوع قرين الحرب عبر التاريخ، بل كأن الجوع هو الخبز اليابس أو «الحاف» الذي يأكله الشعراء المكتوب عليهم أن يصنعوا شعرهم من الطحين الممزوج بالدم والدموع، وهي سردية حزينة نعاين امتداداتها اليوم في قصة الجوع العربي في بعض ديار الحروب مثل غزة والسودان والصومال، وغيرها من جغرافيات جائعة يأكل فيها البشر ورق الكرتون وعلف الماشية.
تشارلز سيميك لم يأكل الكرتون ولا العلف، بل كانت له قصة مختلفة عن جوعى الزمن العربي أو جوعى بعض بقاع العالم (الثالث بالطبع)، فهو عرف مجاعة عام 1948، وهنا، أنقل إليك ترجمة الكعبي لسيرة سيميك الجائع آنذاك هو وعائلته: «حين كان أبي في طريقه إلى أمريكا، وكنا نموت جوعاً في بلغراد اعتدنا أن نقايض ممتلكاتنا لقاء الطعام، يمكنك الحصول على دجاجة لقاء حذاء رجالي جيد».
وفي مكان آخر من هذه السيرة القاسية يقول: «مرة طلب غجري عجوز قبعة أبي الطويلة، ولم تكن على مقاسه، ثم ناوَلَنا، والقبعة تغطي عينيه، بطّة حيّة، لقد مرّ علينا زمان في 1948/1947 لم يكن لدينا فيه تقريباً أي شيء نأكله. أذكر أنني لدى عودتي من المدرسة ذات ظهيرة أخبرت أمي أنني جائع، ورأيتها تنفجر بالبكاء، لم يكن في البيت ما يؤكل سوى بعض البصل، فقطّعته، ولم يكن هناك زيت، ليس سوى القليل من الخبز اليابس والملح».
قبل أيام رأيت رجلاً على التلفزيون، يقول: لقد وصلنا إلى حدّ نشتهي فيه أن نذوق الملح، في سياق ثقافة الحرب المعاصرة التي تعتمد الجوع سلاحاً لتركيع الآخر واستسلامه.
يقول الكعبي إن سيميك اكتشف في ما بعد أن أحد من قصفوا بلغراد هو الشاعر الأمريكي ريتشارد هوغو الذي اعتذر منه في قصيدة عنوانها «رسالة إلى سيميك».
يبقى، إذاً، من يعتذر عن البصل والملح والخبز الناشف؟
بصل وملح وخبز ناشف
17 نوفمبر 2025 00:18 صباحًا
|
آخر تحديث:
17 نوفمبر 00:18 2025
شارك