هل بدت لك صورة الطابوق والأسمنت، أمس، قاسيةً غير راسية؟ لك أن تعاتب القلم على أن التعليل لم يَشفِ الغليل. اليوم، لك جولة فكرية فنية، في آفاق لغتنا، أوّلها في بيئة ما قبل الإسلام، ونهاية مطافها في النمسا، عند موتزارت.
يقيناً، رواسي مناهج لغتنا لم تتزحزح، فمن حقّنا الاعتقاد أن واضعيها لا يرون ضرورةً للتطوير والتغيير. هم أحرار، لو كانت القضيّة حريةً فرديةً أو فئويةً. المفارقة أن أبناء العرب أصبحوا في محل شبهة، وهم براء، فلا أحد يتّهمهم بأنهم ليسوا أكفاء لعرائس العربية. العهدة على شاعر النيل، الذي أرعبنا بأن لغتنا تتهدّد الأمّة بوأد بناتها. لا يُعقل أن تكون المناهج لا تحتاج إلاّ إلى لمسات خفيفة، وتعديلات طفيفة. نخشى أن ينطبق على التطوير عنوان كتاب جنكيز أيتماتوف: «ويطول اليوم أكثر من قرن».
تحتاج لغتنا إلى مصباح سحري، باختراع حل جذري. لا داعي إلى الإبداع، بمفهوم القدامى: «الصنع على غير مثال». ما تستحقه العربية اليوم هو صنع مناهج مستلهمة من البيئة قبل الإسلام، قبل ظهور علوم اللغة. على أنظمة التعليم العربية إعداد معلمين فصحاء لا يلحنون، لا يكلّمون الصغار، منذ الحضانة، إلاّ بالفصحى. السنوات الثلاث قبل الابتدائية كفيلة ببناء جيل المَلَكة اللغويّة. عندها ستجد المناهج العربية نفسها أمام مسؤوليات أسمى. لن تفكّر المدارس بعدُ في مطابقة الطابوق للطابوق، وكيف تجرّ حروف الجرّ الآجرّ.
القلم مصاب بداء موسيقي اسمه: لازمة الإحساس بجمال اللغة، التي لا ينفكّ يكرّرها، ولا ينكفّ عن تكرارها، إصراراً على أن المناهج العربية لا تدع ذرّة من زوائد النحو والصرف، إلاّ وضعتها في طريق موهبة الإبداع بالكلمة. أتُراها تقتدي بابن جني، الذي قيل إنه أمضى أربعين عاماً يدرس الصرف.
إن أعظم حلم في الإحساس بجمال اللغة هو بالاصطلاح الموسيقي، تصوير مقولة موتزارت الرائعة، وتطبيقها في العزف بالحروف. سئل: ماذا تفعل حين تؤلف موسيقاك؟ قال: «لا شيء، غير أن أضع النوتات المتحابّة متجاورة». الرسالة الأمانة هي أن ننقذ الطالب من أكوام الطابوق وأكياس الأسمنت، إلى مجلس أنس وهيام وافتتان بجمال الكلمة.
لزوم ما يلزم: النتيجة الانعكاسيّة: ماذا تفعل أيّها الطالب حين تكتب؟ يقول: لا شيء، غير أن أضع الكلمات المتحابّة متجاورة.
مباهج العربيّة بنظرات مختلفة
17 نوفمبر 2025 00:12 صباحًا
|
آخر تحديث:
17 نوفمبر 00:12 2025
شارك