هل خطر ببالك اتهام الموسيقيين العرب بالأنانية؟ التهمة تتجاوز النرجسية وحبّ الذات. القضية أكبر من ظاهرة نفسية فردية، هي من ناحية لها مورّثات تاريخية، ومؤثرات قرونية، ومن ناحية أخرى، لم تعرف موسيقانا طوال العصر الحديث، إلى أيامنا، فلسفتي الفن والموسيقى. ليست لنا فلسفة موسيقى عربية. الدليل جليّ، من هم المفكرون العرب المعاصرون الملمون بالموسيقى، الذين وضعوا أسساً لفلسفة موسيقى عربية؟ أمّا ما كتبه فلاسفة الغرب في الموسيقى، أمثال هيغل وشوبنهاور ونيتشه وغيرهم، فلا ينطبق على موسيقانا، التي باتت رهينة شكل واحد هو الأغنية. التراجيكوميديا أن الأصوات الجيّدة لم تعد، جرّاء قحط الإبداع في الكلمات والألحان، تجد لها سبيلاً غير أداء ما في المكتبة الموسيقية. كأن الصوت الجيّد يردّد ما لم يقله المتنبي: «تمرّستُ بالألحان حتى وجدتها.. تقولُ: أمات اللحنُ أم قُتِلَ الشعرُ».
لا مبالغة في تهمة الأنانية. لم يفكّر الموسيقيون العرب في الطفل العربي، الذي يعاني ذوقه جوّاً عديم الأكسجين الموسيقي. لدينا نثريات مثل: «ماما زمانها جاية»، مع تحفّظ القلم، الذي لا يراها من الموسيقى الرفيعة. الطفل الغربي يستمتع، حتى وهو جنين، بكل أعمال الموسيقى السيمفونية، وخصوصاً آلاف الروائع لموتزارت، فيفالدي، ديبوسي، تشايكوفسكي، هايدن، هندل، روسيني. يقول آلن فيلسوف التربية الفرنسي: «الموسيقى فنّ معقد لا يستطيع استيعابه غير الذهن الشديد البساطة لدى الطفل». ويقول: «أسمعوه بيتهوفن في المهد». هكذا تتحمّل الموسيقى العربية جانباً من التهمة، كأن الطفل يجب أن يظل بمنأى عن «الخطيئة». موسيقانا تاريخيّاً نشأت في مجالس حرّضت عليها الكثير من النافذين في الرأي العام. تخيّل لو جاء ملحن إلى أم كلثوم عارضاً عليها «أكلك منين يا بطة»، كانت تحتفي به احتفاء الشريف الرضي بالمعري. ذمّ الشريف المتنبي فقال له أبو العلاء: «كفاه فخراً قصيدته: لكِ يا منازلُ في القلوب منازلُ. أدرك الرّضي أنه يقصد قول أبي الطيّب: «وإذا أتتكَ مذمّتي من ناقصٍ.. فهي الشهادة لي بأنيَ كاملُ». فانهالوا عليه ضرباً وأخرجوه.
كأن الأغنية تهجو شعراءها بأنهم أفلسوا عاطفياً، فالأغاني تدل على أن بطارية الحب على الصفر، وأن المقام مات في المقامات.
لزوم ما يلزم: النتيجة الوقائية: على الأسرة إسماع الطفل الموسيقى الرفيعة في المهد، وكل الهبوط سيندثر.
الموسيقيون في قفص الاتهام
19 نوفمبر 2025 01:31 صباحًا
|
آخر تحديث:
19 نوفمبر 01:31 2025
شارك