هل ثمّة مانع من مواصلة الحديث عن الموسيقى، ولكن في مجال مختلف تماماً؟ في الجولة اليومية في ربوع المجلات والمواقع العلمية، أومض هذا العنوان، في الموقع الفرنسي «مستقبل العلم»: «الشيخوخة من دون فقدان الذاكرة؟ علمياً، استماع الموسيقى يمكن أن يخفض التدهور الذهني بنسبة 39%» (19 نوفمبر).
يقيناً، لولا مشاكسات الزمان، ورميه قشور الموز أمام الشعوب، لكان أحفاد الحضارة الإسلامية هم من يعلّمون الأمصار فنون الموسيقى وعلومها في الوقاية والعلاج. كان قدماؤنا يعرفون أيّ مقام موسيقي ينفع لأيّ عرض أو مرض أو اضطراب نفسي. اليوم، روّاد هذا الحقل في فرنسا وسويسرا وألمانيا، يفخرون واهمين أنهم السابقون. حجة الإسلام الغزالي يرى أن: «من لا يطربه العود وأوتاره، والربيع وأزهاره، فهو فاسد المزاج، ليس له علاج». ذكر السمع والبصر والشم ولمس الأوتار، وترك الذوق لذوق «روح الأرواح»، لدى «العشّاق»، حين يبلغون «الأوج».
الدراسة اضطلع بها، على مدى عشر سنوات، فريق باحثين في مختبر الفيزياء المتعدد التخصصات، في جامعة موناش في ملبورن الأسترالية، أجروها على قرابة أحد عشر ألفاً، ممّن هم في السبعين أو جاوزوها. خلُص الخبراء إلى أن «الموسيقى لا تلطّف الحياة اليومية فحسب، بل يمكن أن تحمي الدماغ من تراجع المدارك». أمّا «السمّيعة»، «الناس المغرمين»، «أهل الهوى» الموسيقي، فتقول عنهم رئيسة الفريق: «إنهم أقلّ عرضةً لتردّي الذاكرة من غيرهم، بنسبة 17%».
العلوم العصبية لها تشجيعها: «سماع الموسيقى أو الغناء، يعزّز التشابكات بين الخلايا العصبية، فما بالك بالعزف». يُذكّر القلم بأنه لا يوجد نشاط بشري مطلقاً، يفوق الموسيقى في عدد مناطق الدماغ التي تنشط في آن. أمّا لماذا الموسيقى مفيدة للدماغ؟ فتقول الدراسة:«ما تقطع به العلوم العصبية، هو أن للموسيقى تأثيراً مباشراً في كيميائنا الداخلية، لأنها تحفز إنتاج الأندروفين والدوبامين، الهرمونين اللذين هما مفتاحا الإحساس بالمتعة والشعور ببهجة الحياة، لهذا تغمرنا الموسيقى التي نحبّها بالإمتاع والمؤانسة وتوهج الطاقة». مهمّ جداً ما تقوله كبيرة الباحثين في الدراسة:«في غياب وصفة علاجية للتدهور الذهني، من الضروري وضع استراتيجية للوقاية من المرض أو تأخير ظهوره».
لزوم ما يلزم: النتيجة الذهبية:«شيخوخة الدماغ ليست ناجمة عن السنّ أو الوراثة فحسب، وإنما أيضاً عن أسلوب الحياة».