هل تقاذفت ذهنك أمواج الأحوال العربية، فأمسيت في عداد الذين عناهم الشاعر: «فكل بعيد الهمّ فيها معذبُ»؟ ترى كم طال انتظارك «رسالةً من تحت الماء» ترسلها إليك دنيا العرب؟ يبدو أنها موقنة من أن لكل عربي شأناً يغنيه. لكن من العرفاء من يرى أن الملايين الأربعمئة أدركتهم محنة التصوف، فاكتفوا بمقولة وحيدة «الإرادة هي ألاّ تفعل». أمّا المتمترسون وراء العقل، المتدرّعون بالفلسفة فينتسبون إلى الرواقيين اليونانيين، المنادين بالصبر على المكاره والآلام، ومن ورثتهم الشاعر الفرنسي الفريد دوفينيي وقصيدته الشهيرة «موت الذئب»:«الصمت وحدهُ عظيم.. كل الباقي ضعف». غير أن الذئاب التي اجتاحت قطعانها الديار العربية طوال قرنين، تتناسخ، بل هي عندما تهجم تصير نيوبها سيوفاً.
المأزق أخطر مهوىً سحيق، فالمشكلات على الدوام تزداد تعقيداً. لقد حدث تقدم، سوى أنه على طريقة ما وصفه هوفوات بوانيي، أوّل رئيس لجمهورية ساحل العاج، ساخراً: «بالأمس كنا على شفا الهاوية، اليوم بحمد الله خطونا خطوةً إلى الأمام». كل ما هنالك هو أن المضارب العربية كانت في العقود الأولى من القرن العشرين تتوق إلى نهضة تعليمية وعلمية وتنموية، وإلى كل عمل وحدوي مشترك. اليوم بات كل مشترك شَرَكاً. بعد كل المطامح أضحى حتى محو الأمية أملاً بعيد المنال. تخيّل خبيراً أكاديمياً يحاضر، مثلاً: كيف تبلغ الأمة إنتاج العلوم؟ وتكون المحاور الفرعية: كيف نحقق لكل العرب الأمن العلمي؟ كيف نبني بيئة بحث علمي لاستعادة مليونين من العقول المهاجرة؟
من الضروري أن تكون للعالم العربي خطط عقلانية. إذا أردنا أن يظل لهذا الاسم وقع في سمعنا، فلا بد من العمل على إنقاذ ما يمكن إنقاذه. العقلاء يدركون أن ترك الأمور تواجه المجهول له عواقب وخيمة على المجموع. الهجمات تزداد احتداماً عاماً فعاماً، وما يباعد يزداد اقتراباً؟ هل يطمئننا خبراء الجغرافيا السياسية إلى أن أحجار الدومينو ستعود كما كانت؟ البوصلة تنتقل من حلم إعادة الإعمار إلى واقع إعادة الاستعمار.
لزوم ما يلزم: النتيجة القياسية: «من يئس من حاجة فقد قضاها». إذا كان العرب قد استغنوا عن العالم العربي، فليبحثوا عن أشكال تنموية بديلة، ويستريحوا.
معلّقات عربيّة غير المعلّقات
23 نوفمبر 2025 00:09 صباحًا
|
آخر تحديث:
23 نوفمبر 00:09 2025
شارك