تعمل دوائر ومؤسسات إسرائيلية ثقافية وإعلامية منذ فترة طويلة، على تنظيم مهرجان لأم كلثوم وظاهرتها الغنائية والثقافية في تل أبيب وحيفا وبئر السبع، وتأتي فكرة هذا المهرجان، بحسب الدوائر الإسرائيلية، من حيث إن أم كلثوم تشكّل جزءاً أساسياً من ثقافة اليهود الذين يعيشون أو كانوا يعيشون في بعض الأقطار العربية، وأن ظاهرتها الغنائية والثقافية هي إنسانية بالدرجة الأولى، وبالتالي، تصبح «كوكب الشرق»، وهو اسمها الفني الذي يعني تجاوز محلّيتها المصرية أو حتى العربية، جزءاً من الثقافة الإسرائيلية، فهؤلاء اليهود العرب قد تشرّبوا صوت المغنية الأكثر شهرة، وتربّوا عليه، بصرف النظر عن الدين أو الفكر أو الأيديولوجيا.
على السطح، تبدو هذه المعطيات الإسرائيلية الثقافية إنسانية وتعايشية إذا أردت القول، ولكن تحت السطح هناك دائماً ما هو أسوأ إذا اعتبرنا أن كل هذه القصة الثقافية المتمثلة في المهرجان ما هي سوى تسليع لأم كلثوم، أي اعتبارها مادة استهلاكية، وتحويلها من ظاهرة إبداعية عربية مصرية إلى جزء من هذه الظاهرة، وهو الجزء المتعلّق بكيفية المهرجان، واستغلاله، أي أن إسرائيل تصبح، ثقافياً، شريكتنا في هذا الكوكب الغنائي العربي العالمي.
قصة تسليع أم كلثوم أو لنقل احتلالها على هذا النحو الناعم هي قصة قديمة تعود إلى سبعينات القرن العشرين، ويذكر الجيل العربي في تلك الفترة التي أعقبت حرب حزيران عام 1967، كيف كانت الإذاعة الإسرائيلية تبث ساعة غناء كاملة لكوكب الشرق من الرابعة عصراً وحتى الساعة الخامسة كل يوم.
كل عشّاق أم كلثوم في الوطن العربي كانوا آنذاك يضبطون زمنهم الوجداني على تلك الساعة لأم كلثوم من إذاعة إسرائيل، وهو، مرة ثانية، نوع من الاحتلال أو التسليع الناعم، وذلك، أن ساعة أم كلثوم الغنائية تلك كانت تعقبها مباشرة ساعة إخبارية سياسية نعلم جميعاً محتواها الفكري والنفسي.
امتصاص أم كلثوم، إن جازت العبارة، أو احتواؤها النفعي غير المباشر عن طريق إنسانية الفن، وعالمية الثقافات ليس الأول في الفكر التدرُّجي الإسرائيلي، فقبل أم كلثوم، جرى امتصاص الكثير من علامات الثقافة العربية عبر شرايين ناعمة من هذا النوع مثل احتلال فن التطريز، وتحويل أسماء الأعشاب من عربية إلى عبرية، ثم امتصاص الطعام، وحتى التبّولة اللبنانية، والفلافل المصرية، والحمّص الشامي جرت الإحاطة التسليعية بها، من أجل تجييرها، ثم نقل كل جمالياتها التشكيلية والثقافية والمذاقية إلى إطار الثقافة الإسرائيلية.
هذا عمل ثقافي مُنَظّم، وفي الوقت نفسه مُسَيّس، وضمن هذه الرؤية، نقرأ استغلال أم كلثوم في مهرجان تحت عنوان إنساني على أنه سياسة تجري مياهها الباردة تحت السطح، وبهدوء.
امتصاص أم كلثوم
27 نوفمبر 2025 00:29 صباحًا
|
آخر تحديث:
27 نوفمبر 00:29 2025
شارك