يحيى زكي

مر اليوم العالمي للفلسفة الذي يصادف 20 نوفمبر (تشرين الثاني) من كل عام، من دون أن ينتبه إليه أحد، أو يستذكر أحد فائدة الفلسفة وأهميتها وأدوارها التي لا تنسى في الحضارة، ولكن هذا النسيان أو عدم الانتباه طبيعي جداً في عصر لم يعد فيه أحد بحاجة إلى الفلسفة.
في العقود الأخيرة تلقت الفلسفة عدة طعنات من جهات عدة، أثّرت في مركزها التاريخي. جاءت الطعنة الأولى من العلم، فالكثير من علماء الفيزياء، تحديداً، باتوا يرون الفلسفة حقلاً فكرياً ونشاطاً ذهنياً يزيد عن حاجة البشر، وفي كتابه «التصميم العظيم» أعلن ستيفن هوكينغ أن الفلسفة ماتت، فالفيزياء بإمكانها أن تقدم إجابات شافية عن أسئلة الفلسفة الحائرة والمعلقة منذ قرون، وبرغم أن هذا الرأي فيه أخذ ورد، كما يقال، إلا أن أهميته تنبع من أنه يأتي من النخبة، تلك الفئة المنوط بها أن تكون في مقدمة الصفوف الأولى التي تدافع عن الفلسفة وتنهض بها.
الطعنة الثانية جاءت من موضة سادت في حقبة التسعينيات من القرن الماضي تمثلت في الإعلان عن نهاية التاريخ، فعندما يصل البشر إلى نموذج سياسي أو اقتصادي أو اجتماعي معين، كما ذهب فرانسيس فوكوياما، فإنهم ليسوا في حاجة إلى التفكير، خاصة التفكير المجرد أو النظري أو الفلسفة ببساطة، وليس عليهم إلا أن يتبنوا هذا النموذج بوصفه أنجح النماذج.
الطعنة الثالثة كانت مع سلسلة النهايات، مثل موت المثقف وموت الناقد والمؤلف، أما الفيلسوف، برغم أن أحداً لم يعلن موته أو نهايته، إلا أنه يبقى الشكل الأكثر تطوراً من كل هؤلاء، ومن المستحيل أن نتفلسف في عصر يتنبأ فيه البعض بنهاية الكتابة والعودة إلى الشفاهية.
الطعنة الرابعة تمثلت في ثقافة الصورة، وهيمنتها على العقول، من خلال ذلك السيل من الصور الذي يتعرض له البشر لحظياً. صحيح أن هناك فلاسفة تخصصوا في قراءة الصور وتحليلها ونقدها وفك رموزها بكل حرفية واقتدار، لكن القول الفلسفي نفسه الذي يرتكز على القراءة والتأمل أصبح في محنة.
طعنة خامسة أصابت الفلسفة في مقتل مع سقوط المعسكر الاشتراكي، واختفاء الإيديولوجيا، مع تنظير البعض لنهاية الأفكار الكبرى، ولا يمكن للفلسفة أن تعيش من دون إيديولوجيا، من دون موقف أو انحياز لطرف على حساب آخر، أو لفكرة ضد فكرة ثانية، فالفلسفة في جوهرها اختيار بين لونين سياسيين أو أكثر، ومع سيادة اللون الواحد لا مكان للفلسفة.
أما الطعنة التي قضت على الفلسفة نهائياً فكانت في حزمة تحولات تاريخية تداخل فيها الانفجار السكاني، في العالم كله، وما صاحبه من تغيرات ديمغرافية، وتزامن ذلك مع ازدهار التكنولوجيا فائقة الحداثة وتوابعها، فالفلسفة أيضاً لا تعيش في ظل شعبوية تسود العالم وهيمنة ثقافة الجماهير، فضلاً عن سيادة ثقافة الاستهلاك المعولمة.
ليس معنى وجود كتب الفلسفة وأنها تُدرس في أقسام جامعية أنها بخير، ولا يذكرنا ذلك إلا ببشر عاشوا في الماضي كانوا يستمتعون بحرية التفكير في أشد الأفكار جرأة ودهشة.