ما هو أهمّ ما يحتاج إليه العالم العربي اليوم، قبل الغد؟ أن يرجع إلى ذاته، ليدرك قدراته، ويكتشف أنه ليس جداراً قصيراً. نحن، ضمن العالم، أمام مفرق طرق، كل ما بعده غير معلوم المعالم. إلا أمراً واحداً، هو أن الحضارة الغربية آذنت بالغروب، لأسباب موضوعيّة، براهين عدّة تدلّ على أنها حتميّة.
تريد جردة حساب موجزة عاجلة؟ يدرك أهل الفكر والثقافة، هول انهيار الهيمنة الثقافية المعنوية. كان للغرب أكبر الفلاسفة، والكلمة العليا في الآداب والفنون: الرواية، المسرح، الموسيقى السيمفونية، السينما، التشكيل. هل تعرف اليوم فلاسفةً أحياءً لهم دوّي في الدنيا؟ بعد الحرب العالمية الثانية، سطت عقول الجغرافيا السياسية والاستراتيجية، على مكانة الفلاسفة، وصار هؤلاء بديلاً من المفكرين، لكن العربدات في مسرح السياسة الدولية، مكّنت أمثال كيسنجر وبرجنسكي، من السيطرة على مواقع نفوذ حسّاسة، وإلّا فإن الذنب ذنب عمى العدالة الدولية.
العقلاء يفحصون الأفكار بألف مجهر، قبل البناء عليها، وبعد التمحيص يضعون خرائط الطريق الدقيقة. أملنا أن يدرك العرب، قبل فوت الأوان، أن الحضارة الغربية صارت عمليّاً أرشيفاً تاريخياً، وأن ورثتها أصبحوا أسوأ ما تكون القدوة والمثال، فإذا أرادت أمّة أو دولة أن تتنكّر لقيمها، وتشوّه أنصع صور ماضيها، فلتقتفِ أثر الغرب، ولتسرْ على خطاه. ما ترسّخ في أذهان العالم عنه، مشاهد الفظائع الدراكولية إزاء الشعوب المستضعفة. فيزيائياً: المنجرف إلى المنحدر، لا يمكن أن يساعدك على الصعود والارتقاء. في موروث الشعوب، طرائف تحذّر من مدّ اليد إلى الغريق.
الحكمة السياسية والدبلوماسية، تقضي بألا تستثني التعاون مع أحد، لأنه، إنصافياً، لا يوجد نظام لا شعب له. لكن، الاحتياط واجب، فلا تكون العلاقات صوفيةً من قبيل: «روحه روحي وروحي روحهُ». لرحابة الفكر حدود: لا يصلح هولاكو لتتخذ منه حمامة سلام. أهمّ شيء في السياسة والدبلوماسية، ألّا تتزهمر الذاكرة، فتنسى أن النظريات الجيوسياسية الكبرى، لا تسقط بالتقادم. بعبارة أوضح وأفضح:عندما قال كيسنجر: «ثمّة سبع دول نفطية في الشرق الأوسط، لو احتللناها، ما كنّا لنحتاج إلى حروب كثيرة». الرؤية الاستشرافية الألمعية، ترينا أن عدم حدوث الشيء، ليس دليلاً على أن السعي إلى حدوثه لم يعد مشروعاً قيد التنفيذ.
لزوم ما يلزم: النتيجة الإفصاحية: لعلك ترى انعدام الفصاحة في العمود، فتفضل أنت بحلّ عقدة من لسانه.