قلتُ للقلم: من أين تأتي بهذه الأسماء، التي لا نعرف لها مسمّيات، أخشى أن تكون مسمّمات؟ ألا تدري أن الأشياء التربوية التي يلوكها الناس منذ أكثر من قرن، لا تُؤتي أكُلها، وكأنها حبوب الحنطة التي تحتال بها الإمبراطورية، على البلدان النامية، التي لا نموّ لها ولا تنمية؟
قال: أما وقد احتدمتَ وهجمتَ، فلأفرغنّ الجعبة، وأحسم اللعبة. اعلم أن المآخذ العصرية على المناهج العربية كثيرة، لكن الأهمّ هو معرفة آثارها السلبية في زماننا بالذات. يقيناً، لا يسرّ واضعي المواد الدراسية، أن تقول لهم: أنتم تحرثون وتبذرون في وادٍ غير ذي زرع، فالتربة عديمة الخصوبة. عليكم بانتهاج هذا المقترح، الذي لم تسمعوا به: التربية الاستقصائية وتنمية الاستقصاء. أنتم تعرفون الصحافة الاستقصائية، أمّا هذا النوع من التربية فلا.
خذوا هذه الزبدة: أيّ مناهج لا تنمّي الخيال، ولا تساعده على نشر جناحيه، فمصيرها الإخفاق والإملاق. بتعبير حافظ الشيرازي: «انشر جناحيك، واصدح من على شجرة الطوبى.. حيفٌ أن يكون طائر مثلك أسير قفص». ألم يقل أينشتاين: إن الخيال أهم من المعرفة؟!.
من التجارب الذهنية، أن تختبر الأفكار في غير مجالاتها. مثلاً: لعل في مقدمة محللي سيمفونيات بيتهوفن التسع، المؤلف الموسيقي الفرنسي هكتور برليوز. قال عن السيمفونيتين الأولى والثانية: «إنهما تفتقران إلى الأفكار». ماذا تدرك حين تستعرض ميادين الحياة العامة في التنميات المتعثرة؟ إنها تنقصها الأفكار والخيال. لماذا؟ لأن المناهج تأخذ الطيور، تقصقص ريشها، وتضعها في أقفاص. عملية تدجين بحشو الأدمغة عبر مراحل التعليم، حتى التخرّج، وفي الحياة العامّة وسوق العمل، أنماط أخرى. حريات الفكر والرأي والتعبير، أوكسجين الابتكار والإبداع.
تأمّل كيف أن البحث العلمي في العالم العربي، لا يزال في المرحلة الجنينية، لكن، ليطمئن قلبك، فقد بدأت الخلية الأولى في التقاسم، ببطء قطعاً، والتطوير عربياً: «مَرار وعذاب.. واليوم بسنة». نخلص إلى النتائج التي يبدأ منها التغيير الشامل. لقد أدّى غياب التربية الاستقصائية وتنمية الاستقصاء، إلى ثقوب سوداء علمية ومعرفية. جلّ البلدان العربية لا يجتذبها أكبر كبير، أي الكون، عبر الفيزياء الفلكية، ولا أصغر صغير، جُسَيْمات ما دون الذرّة، عبر فيزياء الكمّ.
لزوم ما يلزم: النتيجة التحذيرية: على المناهج ألَّا تدع الأجيال تكتفي بمكتسبات العلوم والتكنولوجيا، الاستهلاكية. الكارثة أن تخدمك التكنولوجيا إلى حدّ سلب وظائفك وشلّ قدراتك ومواهبك.