لا ينقطع حضور مارسيل خليفة في الإمارات، بكامل صورته الشعرية والموسيقية والثقافية، خفيف الرّوح، وجميل المعشر بدفئه، وأيقونيّته، وظلّه الأخضر دائماً حين يتكوّر العود في حضنه مثل طفل ينام سعيداً في كنف أبيه.
قبل أيام غنّى مارسيل خليفة صباحاً في بيت الحكمة في الشارقة عقب جولة استمرّت نحو ساعة في معرض (لاعب النرد.. محمود درويش) في بيت الحكمة، غنّى بهدوء، وبحزن مُعَتّق، لكنه ليس ذلك الحزن البكائي الرثائي، فهو مغني الأمل حتى لو كان ذلك الأمل في فم الثعبان.
في ديسمبر الجاري يحلّ مارسيل خليفة ضيفاً على فعاليات مكتبة محمد بن راشد في دبي. جلسته مثمرة وإيجابية وذات بُعْد ثقافي رفيع المستوى حين يتحدث في مساء حواري عن الشعر الفصيح الذي غنّاه في مسيرته الموسيقية الغنّية بالثقافة، والفكر، والمعنى الجميل للحياة.
يتحدث صاحب «منتصب القامة أمشي» عن العلاقة بين الموسيقى والشعر العربي، وهي بنية ونظام وتكوين أكثر منها علاقة.
الشعر العربي قائم على الموسيقى، لأن الأصل فيه قيامه على الوزن العروضي الذي سبق الخليل بن أحمد الفراهيدي، والوزن، في أحد تعريفاته الجمالية هو الموسيقى.
مارسيل، نفسه بنية بشرية أو إنسانية موسيقية، وليسمح لي القارئ أن أنقل مشهداً رأيته في الصباح الذي غنّى فيه مارسيل في بيت الحكمة في الشارقة.. قبل الغناء، أمضى المغنّي الأشيب ذو اللحية الكثّة دقائق وهو يدوزن عوده بدقة وزّان الذهب، يشدّ هذا الوتر، ثم يشدّ تلك العقبة الخشبية إلى أن يصل إلى اللحظة التي يعرفها هو، اللحظة التي تعرفها أصابعه. أصابع مارسيل هي أجنحته.
شكرته لأنه سمح بالتقاط صورة معه. وضعت يديّ على كتفيه، وابتسم من قلبه كما يقولون، وفي عينيه قوّة، وسلام.
مارسيل خليفة في الإمارات، وليست هذه المرةَ الأولى التي يقوم فيها بنشاط ثقافي في بيت الحكمة ومكتبة محمد بن راشد. زار الإمارات مرّات عدة. عرَفه كتّابها ومثقفوها وإعلاميّوها، إنه نجم لكن ليس في السماء، بل في الأرض هنا بيننا ومَعَنا، تواضع الجميل، وكبرياء النبيل.
قلت له إنني وصديقي الشاعر زهير أبو شايب الوحيدان من كان لهما حظ القراءة إلى جانب محمود درويش على منصّة واحدة، وذلك، في العاصمة الأردنية عمان في العام ١٩٩٥، ونظمت تلك الأمسية مؤسسة عبد الحميد شومان.
قلت له بعينيّ لا بلساني إنه هو نفسه قصيدة، لا يستطيع أن يغنّيها، ولا يستطيع موسيقيّ آخر أن يغنّيها، وقلت له بعينيّ، إنه حوّل الشعر الذي غنّاه إلى أفراح ومسرّات، وأن زواج القصيدة بالعود، يشبه زفاف أميرة إلى فيلسوف.
عمّم، مارسيل خليفة شعرنا العربي الحديث على نطاق شعبي واسع، نقّاه من السياسة والأيديولوجيا، وجعله أقرب إلى الخبز والقهوة.