وليد عثمان
بُهت الذين قالوا يوماً إن الوطن حفنة من تراب وأشاعوا أن الحدود وما تكتنزه من بشر ومؤسسات وخيرات صنيعة مستوردة. كان زيفهم الذي حاولوا الترويج له أن الرابطة الروحية أقوى من الوطنية ليحرقوا بنار الفتنة والكراهية المضمرة في صدورهم معنى أن تكون بقعة من الأرض أحب بلاد الله إلى أهلها، كما كانت مكة إلى النبي الأعظم.
لم يكن أحد بحاجة إلى المواجهة المصطنعة بين الدين والوطنية، ولا بين انتماءات الإنسان إلى الإنسانية أو المعتقد أو الجغرافيا والتاريخ، فكلها تصلح للتجاور الهادئ المتسامح من غير صراع ولا تغييب لأيها. تلك الفطرة السوية أرادت جماعات التطرف محوها، لا انتصاراً للدين، إنما حقداً على الوطن، أي وطن عربي، ومعانيه، وبث الفتنة في أوصاله، فلا يشد بعضها بعضاً، إنما تتقاتل وتتفرق بها السبل حتى تحترق الأرض التي تجمعها والعَلم الذي تستظل به، ويهون مقدار زعامتها مقابل إعلاء كلمة مرشد أو صاحب كلمة عليا لا يُعرف له وجه أو مكان.
وتجارب الفتنة «الناجحة» أوضح من أي دليل، والأوطان الممزقة كادت تكون القاعدة في الخريطة العربية، لولا المؤمنون بمعاني الوطن من غير مشكلة مع أيٍّ من دوائر الانتماء. لولا هؤلاء لأكملت نار الفتنة جريانها لتقفز من وطن إلى آخر غير مكتفية بما أكلت لتجعل النموذج الغالب هو الصراع بين أبناء الوطن الواحد بعد الكفر بالميثاق الوطني الجامع وتعدد الولاءات باسم الطوائف والأعراق والألوان، وانهيار ضمانات المساواة والعدالة والمؤسسات الضابطة للحقوق والواجبات بغير تفريق.
لذلك، تكيد جماعات الفتنة لكل قابض على جمر وطنه، وتخلص في الدس بين أبنائه، وبينه وبين جيرانه، وتشوه دعمه لمن فقدوا معاني أوطانهم بعد أن اختطفتها النيران الداخلية والخارجية. تبذل هذه الجماعات كل جهد ومال لتنشيط مخطط الكفر بالوطن واعتبار ذلك، زوراً، غاية الإيمان، بينما قادتها مستقرون في دول غربية مستقرة لا انتماء فيها يعلو على الرابطة الوطنية وما تفرضه على المحتمين بها.
إن الذين فقدوا أوطانهم في غمرة الفتنة والانخداع والرغبة في خلاص لم يكتمل هم خير من يتحدث عن معاني الوطنية الآن بعد أن فرقت المنافي ومواطن اللجوء بين أبناء الوطن الواحد وجعلتهم يشتهون يوماً في تفاصيله القديمة، ولو اختلطت بمرارة ممارسات الساسة. حتى هذه التجارب المُرة لا تردع أصحاب دعوة الكفر بالأوطان، ولا يزالون ينفثون النار في غير موضع من الجسد العربي لينسلخ عنه وندخل موجة أخرى الشتات بخسائر بشرية لا تعوض وإنفاق سفيه على احتراب عبثي.
الرغبة المحمومة في تدمير كل شيء تدفع هؤلاء إلى محاولات يائسة لإطفاء النور الذي يغمر الأوطان بأفواههم. والنور منحة الله لمن آمنوا بمعاني الوطن، وبأن اتحاده وحصانته قوة لأبنائه ومحيطه والعالم، حين يعم خيره الجميع بغير تفرقة ولا منّة ويصبح كل يوم فيه عيداً.