يوسف الطويل*
كثيراً ما تتردد في فضاءات الأعمال مقولة «المعايير العالمية» ((International Standard)) وكأن الجودة تُقاس دائماً بميزان خارجي، ينتمي إلى جغرافيا أخرى.
هذه الفكرة تتهاوى تماماً أمام واقع دولة الإمارات العربية المتحدة، التي لم تنطلق من قطيعة مع العالم، ولا من إنكار لتجاربه، بل من تقدير واعٍ لها، واستفادة ذكية منها، وبناء متراكم عليها، لتعيد صياغتها برؤية سيادية أصيلة.
الإمارات لم تعمل وفق نموذج مستورد أو قالب جاهز، بل صاغت من هذا التفاعل الحضاري معيارها الخاص الذي أصبح اليوم مرجعاً عالمياً قائماً بذاته، يُستشهد به ويُحتذى، لا بوصفه بديلاً عن العالم، بل إضافة راقية إليه.
هنا لا تُقاس الإمارات بالمعايير، بل تُقاس عليها المعايير. فمستوى البنية التحتية، وجودة الخدمات، وسرعة التطور، وكفاءة التنظيم، والأمان، والابتكار، وجودة الحياة، جميعها تشكّل منظومة متكاملة تعكس نموذجاً فريداً تُستنسخ منه التجارب وتُقرأ من خلاله خرائط المستقبل. إنها معايير إماراتية خالصة تنطلق من أصالة التجربة، واحترام الإنسان، وصدق النوايا في ترسيخ جودة تتجاوز التوقعات.
ولأن المعايير لا تولد صدفة، فإن هذا التحول لم يكن تطوراً عابراً، بل ثمرة رؤية قيادية استثنائية آمنت بالإنسان قبل البنيان، وبالمستقبل قبل الحاضر. فقد شكّلت القيادة الإماراتية، بوعيها الاستشرافي ونهجها المؤسسي الراسخ، البوصلة التي وجّهت مسار الدولة نحو بناء نموذج تنموي لا يكتفي بمواكبة العالم، بل يقوده. رؤية جمعت بين الجرأة والحكمة، وكرّست الجودة كثقافة يومية، والتميّز كممارسة مؤسسية، والإنسان محوراً لكل قرار. وهكذا أصبح «المعيار الإماراتي» انعكاساً مباشراً لهذه القيادة التي حوّلت الحلم إلى واقع، والرؤية إلى مرجعية عالمية يُحتذى بها.
وإذا كنت أيها العالم تبحث عن الأمان، فالإمارات قدّمت نموذجاً متكاملاً في منظومة حماية الحقوق، يشعر فيه الإنسان، مواطناً أو مقيماً أو زائراً، بأن حياته وكرامته وممتلكاته مصونة بمنطق مؤسسي راسخ. وإذا كنت تبحث عن بنية تحتية، فهنا تلتقي دقة التصميم بكفاءة التشغيل، وتعمل المدن وفق تخطيط ذكي، وتتحول المطارات والموانئ إلى شرايين لوجستية تبهر العالم بسلاستها وسرعتها.
أما الخدمات العامة والحكومية فهي قائمة على فلسفة واضحة: تصفير البيروقراطية، وتقديم الأفضل قبل أن يُطلب، والارتقاء بالتجربة الإنسانية إلى ما فوق المتوقع.
وفي عالم الأعمال، تُختبر في الإمارات أكثر النماذج الإدارية كفاءة، حيث تجد الشركات بيئة تنظيمية تختصر الزمن، تقلل التعقيد، وتحوّل الفكرة إلى واقع بسرعة تتجاوز النماذج البيروقراطية التقليدية. وحتى في الفعاليات الكبرى، نجحت الإمارات في إبهار العالم في الأفكار والتنظيم والاستقطاب وتنامي الفرص والأعمال والتكامل في إدارة الحشود والمنصات الرقمية، ضمن شبكة واحدة تعمل بتناغم يضمن فعالية التشغيل واحترام زمن الإنسان وراحته، ولن نخوض في خدمات الضيافة والسياحة فتلك مساحة إماراتية تحتاج إلى كتب لوصفها.
ومع كل ما رسخته الإمارات من إنجازات، فإنها لا ترى التميز محطة وصول، بل مساراً مستمراً. نعم، لا تزال تسعى لإضافة المزيد إلى محفظة تفوقها، لكنها في الوقت ذاته تمتلك من الريادة ما يجعلها مرجعاً عالمياً يمكن الاعتزاز به والاحتكام إليه. وهنا يمكن القول بكل فخر: هذا هو المعيار الإماراتي – Emirati Standard. ليس وصفاً احتفالياً، بل مفهوماً عملياً يعكس مستوى محدداً من الجودة والكفاءة والموثوقية، يجب أن يُطلب ويُعتمد في العديد من القطاعات والخدمات والمنتجات داخل الدولة وخارجها. إنه المقياس العالمي الجديد الذي يعيد تعريف معنى الجودة، ويغيّر شكل المقارنة، ويعيد رسم شكل القمة ذاتها.
وحين تُتداول عالمياً عبارة International Standard بوصفها التعبير الأكثر شيوعاً عند الحديث عن الجودة والتميّز، وباعتبار اللغة الإنجليزية اللغة الأكثر انتشاراً وتأثيراً في الخطاب العالمي، اسمحوا لنا أيها العالم، وبكل حب لكم وفخر بوطننا، أن نقولها بنفس اللغة، وبنفس الثقة، بل وبمضمون أعمق: نحن لا نكتفي بعد اليوم بأن نبحث عن International Standard، بل نُعلن ونطالب بأن يكون المقياس هو Emirati Standard. معيار ينبع من تجربة حقيقية، ورؤية ناضجة، ومنهج مؤسسي أثبت قدرته على إعادة تعريف الجودة لا مجاراتها فقط، مع احترامه لكافة التجارب العالمية التي لم تتردد الإمارات يوماً في الاستفادة منها والبناء عليها.
فحين نقول «Emirati Standard» فنحن لا نصف حالة، بل نعلن مرجعية تقوم على دقة الأداء، وسموّ القيم، واحترام الإنسان، وتحويل الرؤية إلى واقع ملموس. مرجعية بدأت من الإمارات، لكنها تمتد اليوم إلى مساحات متزايدة من العالم الباحث عن نموذج يوازن بين الحداثة والإنسانية، وبين القوة والرقي، وبين التفوق والمسؤولية.
* الرئيس التنفيذي - الشبكة الوطنية للاتصال (NNC)