يوسف الطويل *
قبل فترة كتبت مقالاً في صحيفة الخليج بعنوان: «عذراً أيها العالم.. المعيار أصبح إماراتياً»، ولم يكن ذلك توصيفاً عاطفياً بقدر ما كان قراءة لواقع استثنائي تشكّل بهدوء، وتراكم حتى أصبح واضحاً لمن أراد أن يرى، ولمن أراد أن يتقدم حتى، واليوم تبدو تلك الفكرة أمام اختبار من نوع مختلف، ليس اختبار صحة المعيار، بل اختبار ما يحدث حين يصبح هذا المعيار متفوقاً جداً ومقلقاً للبعض إلى هذا الحد.
على مدار ما يقارب الشهر تتعرض دولة الإمارات العربية المتحدة إلى عدوان إيراني آثم وغادر في مشهد لا تراعي فيه إيران جواراً ولا تحفظ أبسط قواعد المسؤولية تجاه الدول ولا تجاه أفعالها أيضاً، ومع خطورة وقباحة الاستهداف العسكري الذي نراه في صواريخ ومسيرات، نرى فعلاً موازياً لا يقل خطورة وغيرة، تُديره أطراف أخرى، قريبة وبعيدة، اختارت أن تخوض منافستها خارج الميدان، عبر فبركة الأكاذيب، وتشويه الوقائع، ومحاولة إعادة صياغة روايات هزيلة، بعد أن عجزت عن مجاراة واقع الإمارات فلجأت إلى تزييف الحقيقة.
وهنا تحديداً، تتضح الصورة أكثر، فالإمارات لا تُستهدف لأنها ضعيفة، ولا لأنها قابلة للاختراق، بل لأنها -وبهدوء متراكم- تحولت إلى معيار عربي وعالمي. والمعايير، بطبيعتها، لا تُهاجم لأنها هشة، بل لأنها تكشف الفارق، ولأنها تضع الآخرين أمام مرآة لا يمكن كسرها بسهولة، ولا يمكن الهرب مما تعكسه.
فالصواريخ، مهما بلغت رغم غدرها، تستهدف ما هو مادي، أما السرديات، بما تحمله من تضليل وتشويه، فمحاولتها أعمق: أن تُصيب الثقة -وهذا أصعب ما يصبون إليه-، وأن تُربك الصورة -وهذا وهم لأنها أصل وأصالة-، وأن تُدخل الشك إلى نموذج بُني على وضوح واستمرارية! وهذه ليست معركة عابرة، بل هي جوهر الحكاية لدى البعض ممن أتعبتهم مجاراة الإمارات ولم تسعفهم أنفاسهم فصاروا بأكاذيبهم إلى ما صاروا إليه.
غير أن ما يصطدم به هذا النوع من الاستهداف، هو أن الإمارات لم تبنِ صورتها عبر حملات، بل عبر تجربة. فالثقة التي تشكّلت حولها لم تكن نتاج خطاب، بل نتيجة واقع عاشه الملايين، واختبروه يومياً، ووجدوا فيه ما يكفي ليبقوا، ويعملوا، وينجحوا، ويختاروا هذه الأرض حباً وطواعية مرة بعد مرة. وهذه الحقيقة، تحديداً، هي ما يجعل من أي محاولة للتشويش مهما بدت منظمة لا تستطيع الوقوف أمام أبسط ميزات الإمارات وليس أبسط إنجازاتها فأبسطها أكبر من أكبر أكاذيبهم.
ولأن هذه التجربة لم تتشكل صدفة، فإن فهمها لا ينفصل عن فهم القيادة التي صنعتها. فالدول، في لحظات الاختبار، تشبه قادتها أكثر مما تشبه مواردها، وتشبه شعبها أكثر مما تشبه ظروفها، ولهذا نرى الإمارات بهية شجاعة نقية شامخة حتى في هذه الأزمة. فمنذ أن أسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، هذا الاتحاد، لم يكن يؤسس لدولة بقدر ما كان يؤسس لمعنى: أن الاستقرار قرار، وأن الإنسان هو الثروة الحقيقية، وأن الاتحاد ليس اتفاقاً سياسياً، بل حالة ثقة متجذرة.
هذه الرؤية استمرت وتعمّقت حتى أصبحت اليوم، في عهد صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، حفظه الله، ومعه إخوانه أصحاب السمو حكام الإمارات، منظومة قيادة تدير التوازن بدقة، وتقرأ التحديات بوعي، وتتحرك بثبات لا يستفزه الضجيج ولا تُربكه اللحظة.
ومن هنا، فإن القوة في الحالة الإماراتية ليست مجرد قوة مادية وعسكرية فقط -على أهميتهما- بل هي قبل ذلك قوة المعنى، ثقة مجتمع، وانتظام مؤسسات، وقيادة تعرف ما تفعل، وشعب مؤمن بالله والوطن وملتف حول قادته. قوة تظهر حين يفترض البعض أنها ستختفي، وتثبت حين يُراد لها أن تهتز، وتستمر حين يُتوقع لها أن تتعطل. وهذه القوة، تحديداً، هي ما يجعل من أي استهداف -مهما كان مصدره- محدود الأثر ومعدوماً في مواقع كثيرة، لأنه يصطدم ببنية داخلية لا تُكسر، لأنها لم تُبنَ على الظرف، بل على الرؤية.
ولهذا، فإن السؤال لم يعد: لماذا تُستهدف الإمارات؟ بل: ماذا يكشف وجود من يستهدفها كذباً بهذا الشكل؟ والإجابة، في جوهرها، أن الإمارات لم تعد مجرد دولة ناجحة، بل هي معيار يُحرج المقارنة، ويضع الجميع أمام حقيقة لا يمكن تجاهلها: أن ما هو ممكن قد تحقق بالفعل وأن ما هو قادم في الإمارات أكبر لأنها دولة أفعال لا أقوال.
الإمارات لا تحتاج إلى أن ترفع صوتها لتثبت قوتها، ولا إلى أن تدخل في صراع سرديات لتدافع عن صورتها. يكفي أنها، في أي أزمة تبقى على ما هي عليه.
ولهذا، فإن كل ما يُحاول أن يمس الإمارات يصطدم بحقيقة واحدة:
أن ما يُستهدف ليس مجرد دولة.. بل معيار. والمعيار، حين يُبنى بهذا العمق، لا يُكسر.. بل يَكشف.
* المؤسس والرئيس التنفيذي - الشبكة الوطنية للاتصال NNC