يوسف الطويل

في حياة الأمم لحظات تختبر فيها المعاني الكبرى: معنى الوطن، ومعنى الانتماء، ومعنى الولاء. وفي مثل هذه اللحظات يكتشف الإنسان أن الوطن ليس مجرد أرض يقيم عليها، ولا مجرد جواز سفر يحمله، بل حالة شعورية عميقة تسكن القلب وتعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان والمكان والتاريخ والمستقبل.
الإمارات وطن لا يمكن لأي إنسان عرفها ويعرف معنى الوفاء أن يكون محايداً تجاهها. فهي ليست مجرد دولة حديثة نجحت في بناء مدن متقدمة أو اقتصاد قوي، بل تجربة إنسانية وسياسية فريدة في هذا العالم المضطرب، تجربة قامت منذ بدايتها على فكرة عميقة وبسيطة في آنٍ واحد: أن الإنسان هو الثروة الحقيقية، وأن الأمن والكرامة والفرصة ليست امتيازات نادرة، بل حق لكل من يعيش على هذه الأرض.
منذ أن وضع المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، مع إخوانه الحكام، الأسس الأولى لهذا الاتحاد، لم يكن المشروع مجرد اتحاد جغرافي بين إمارات، بل كان مشروعاً أخلاقياً قبل أن يكون مشروعاً سياسياً، مشروعاً يقوم على المحبة، وعلى الحكمة، وعلى إيمان عميق بأن بناء الإنسان يسبق بناء العمران.
ولهذا لم تكن قصة الإمارات قصة أبراج شاهقة أو طرق حديثة فقط، بل قصة مجتمع اختار أن يبني علاقته بالعالم على السلام والتعاون والانفتاح. قصة دولة آمنت بأن القوة الحقيقية ليست في الضجيج، بل في الاستقرار، وفي القدرة على تحويل الطموح إلى إنجاز، والحلم إلى واقع.
وفي عالم يموج بالصراعات والانقسامات، أصبحت الإمارات مساحة نادرة يلتقي فيها الناس من مختلف الجنسيات والثقافات تحت سقف واحد من القانون والاحترام والفرصة، ملايين البشر جاؤوا إلى هذه الأرض بحثاً عن مستقبل أفضل، فاكتشفوا أنهم لم يجدوا مجرد فرصة عمل، بل وجدوا وطناً يمنحهم الطمأنينة والكرامة وإمكانية الحلم.
وهنا يكمن سر العلاقة العميقة التي نشأت بين الإمارات وكل من عاش على أرضها بصدق: علاقة لا تقوم فقط على المصالح، بل على الامتنان.
ولأن الامتنان الحقيقي لا يكون شعوراً عابراً، بل موقفٌ أخلاقيٌ واضحٌ، فإن الولاء للإمارات ليس شعاراً يرفع في المناسبات، بل موقف يتجلى في لحظات الاختبار.
نحن مع من يحترمها، مسالمون لمن يسالمها، لكننا نقف بحزم ونعادي من يحاول المساس بها، ليس لأن الإمارات تبحث عن خصومة مع أحد -هي تتعرض الآن لعدوان غاشم وغادر- بل لأنها دولة بنت مكانتها بالسلام والعمل والإنسان، ومن الطبيعي أن يقف أبناؤها وكل من أحبها دفاعاً عن هذا النموذج الذي أصبح مصدر أمل لكثير من الشعوب.
فالحياد قد يكون فضيلة في بعض القضايا، لكنه يفقد معناه حين يتعلق الأمر بالوطن.
الوطن ليس موضوعاً للنقاش البارد، ولا مساحة رمادية بين موقفين، الوطن موقف واضح، والانتماء الحقيقي لا يقبل التردد، ومن ليس فيه خير لوطن كان له خير في كل تفاصيله -قادته وشعبه وأرضه وبحره وسماه- فلا خير فيه!
لهذا، حين نقول: إنه لا حياد في حضرة الإمارات، فنحن لا نتحدث بلغة العاطفة فقط، بل بلغة التجربة أيضاً، تجربة وطن استطاع خلال عقود قليلة أن يحول الصحراء إلى قصة نجاح عالمية، وأن يجعل من قيم مثل التسامح والتعايش والعمل المشترك واقعاً يومياً يعيشه الملايين.
إن الدفاع عن الإمارات ليس دفاعاً عن دولة فحسب، بل دفاع عن فكرة أثبتت أن العالم يمكن أن يكون أكثر إنسانية حين تقوده الحكمة، وأكثر ازدهاراً حين يكون الإنسان في قلب المعادلة.
ولهذا، فإن من عرف الإمارات حقاً يدرك أن العلاقة معها لا يمكن أن تكون علاقة باردة أو محايدة. إما أن ترى وتقدر ما فيها من خير وإنجاز ومحبة، فتكون أهلاً لتكون فيها ومعها، أو أن تختار أن تقف خارج هذه القصة.
أما الحياد.. فلا مكان له في حضرة الإمارات.
*الرئيس التنفيذي للشبكة الوطنية للاتصال NNC