ليس من طبيعة التاريخ أن يُختصر في لحظة، ولا أن يُجسَّد في شخص، فهو مسارٌ تراكميٌّ طويل، يُكتب بعد أن يمضي، ويُقرأ بعد أن يهدأ، ويُفهم حين تتكشّف طبقاته وتأويلاته. غير أن التاريخ، في لحظات نادرة، يقف عند الحكماء والعارفين، لا ليُختزل فيهم، بل ليصغي إلى معرفتهم، ويختبر في حاضرهم ملامح مستقبله. وهنا يظهر أولئك الذين لا ينتظرون حكم التاريخ عليهم، بل يقابلونه وجهاً لوجه، لا مواجهةً ولا ادّعاءً، بل حملاً للمسؤولية، وفِعلاً معرفياً عميقاً، ومساراً فكرياً طويلاً يؤمن بأن المعرفة هي أعلى أشكال السيادة وأكثرها ديمومة.
من هذا الأفق يمكن فهم تكريم رئيس جمهورية البرتغال لصاحب السموّ الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى، حاكم الشارقة، بمنحه القلادة الكبرى لوسام كامويش وهو أعلى وسام ثقافي سيادي في البرتغال. ليس بوصفه حدثاً احتفالياً، ولا باعتباره تتويجاً يُطلب أو يُنتظر، فالتكريم لم يكن يوماً جديداً على سموّه، ولا هدفاً سعى إليه، بل لحظة اعتراف ثقافي برجلٍ بنى مساره خارج منطق المظاهر والجوائز، وداخل منطق المعنى.
فصاحب السموّ الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي لم يتعامل مع الزمن كعدٍّ تنازلي للإنجازات، بل كمساحة أخلاقية للفعل. في فلسفة حضوره، الزمن ليس ما يمرّ بنا، بل ما نُضيفه إليه. ومن هنا، لم تكن الثقافة عنده زينةً للسلطة، بل شرط لشرعيتها، ولم تكن اللغة أداة خطاب، بل وعاء هوية، ولم يكن التاريخ سرداً منتهياً، بل مسؤولية مستمرة.
وفي زمنٍ تسارعت فيه اللحظة حتى كادت تبتلع المعنى، اختار صاحب السموّ الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي طريقاً مغايراً: إعادة وصل الزمن بالمعرفة، فأسّس مشروعاً ثقافياً متكاملاً ضمّ الكتاب، والمدرسة، والجامعة، والمتحف، والمسرح، والفن، والعلوم، لا بوصفها مؤسساتٍ تُحصى، بل مساحات للتفكير وبناء الإنسان. ومن الشارقة، لم تُنشأ مشاهد لتُرى، بل بُني نظام معنى، يرى في العلم والثقافة فعلاً يومياً، وفي الحوار الحضاري ممارسة هادئة وعميقة، وكتب سموّه التاريخ لا ليُخاصم الحاضر، بل لينقذه. وقابل التاريخ لا ليختصره، ولا ليعيد تشكيله وفق الهوى، بل ليأخذ منه الحقيقة كما هي، ويُدوّنها بصدق العارف ومسؤولية المؤرخ، فاتحاً بها باب حوارٍ إنسانيٍّ عادل، يقوم على المعرفة لا الادّعاء، وعلى الإنصاف لا الغلبة.
هذا الوسام، وهو أرفع تكريم ثقافي في البرتغال، يحمل اسم شاعرٍ جعل اللغة وطناً. واللغة، حين تُفهم بهذا العمق، تصبح أكثر من وسيلة تواصل، تصبح بيت الوجود. لذلك يلتقي معنى هذا التكريم مع مسار صاحب السموّ الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي: رجلٌ آمن بأن حماية اللغة ليست دفاعاً عن الماضي، بل ضمانٌ للمستقبل، وأن احترام لغات العالم الأخرى ليس تنازلاً عن الهوية، بل توسيعٌ لأفقها الإنساني.
ويعلّمنا تاريخ التجربة الإنسانية أن أخطر ما يهدّد المجتمعات المختلفة ليس تنوّعها، بل تآكل المعنى الإنساني الذي يجعل الاختلاف قابلاً للفهم لا سبباً للقطيعة. وحين يضعف هذا المعنى، تصبح الثقافة مسؤولية حضارية، لأنها تمنح المجتمعات لغةً أخلاقية للحوار عبر الزمن والاختلاف. ومن هنا، تتجلّى دلالة هذا التكريم بوصفه اعترافاً بقامةٍ فكريةٍ عربية جعلت من المعرفة جسراً إنسانياً، لا أداة مقارنة أو تفاضل.
ورغم أن كون صاحب السموّ الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي أولَ شخصيةٍ عربية تتسلّم هذا الوسام منذ استحداثه يُعد محطة بارزة تنضم إلى مسيرته الحافلة، فإن سموّه لا ينظر إليه بوصفه سبقاً شخصياً أو معياراً للمفاضلة، بل إشارة زمنية تؤكد أن الثقافة العربية، حين تُحمَل بعمق ومسؤولية، تُقابل التاريخ بثقة، وتُخاطب العالم من موقع الشراكة لا الادّعاء.
في هذا التكريم، لم تقابل البرتغال صاحب السموّ الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي فقط، بل قابلت مساراً فكرياً حكيماً لم يسعَ إلى أن يُخلّد اسمه في التاريخ، بقدر ما سعى إلى أن يجعل التاريخ أكثر عدلاً، وأكثر صدقاً، وأكثر إنسانية. مسار قائدٍ يعرف أن الزمن لا يُقهر بالقوة، بل يُقابل بالمعرفة، وأن التاريخ لا يُسترضى، بل يُحترم.
وهكذا، لم ينتظر صاحب السموّ الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي أن يمرّ التاريخ من أمامه، بل مشى إليه بهدوء الحكمة، وبثقة العارف، وترك فيه، وفي حاضرنا، وفي المستقبل، أثراً لا يُقاس باللحظة، وسموّاً يتعاظم مع الزمن.
*الرئيس التنفيذي - الشبكة الوطنية للاتصال NNC