عاملنا أهلُ الإمارات كأهلِها، وما كان لنا إلا أن نكون أهلاً لهذا الخلق، وأهلاً لهذا الكرم، وفاءً يليق بوفائهم، وموقفاً يليق بوطنٍ لم يعاملنا كغرباء، بل كجزءٍ من خيره واتساعه الإنساني، ليست هذه جملاً تُقال على سبيل الامتنان العابر، بل هي مفتاح لفهم وطنٍ استثنائي في معدنه قبل منجزه.
قولوا لهم.. إننا -نحن المقيمين- على هذه الأرض الطيبة، لسنا عابرين في حكاية الإمارات، ولا متفرجين على مجدها من بعيد، ولا أشخاصاً بلا ذاكرة ولا وفاء، لقد أعطتنا هذه البلاد من الأمن ما يطمئن القلب، ومن العدالة ما يصون الكرامة، ومن الفرص ما يفتح الأفق، ومن الإنسانية ما يجعل الامتنان لها دَيناً أخلاقياً قبل أن يكون شعوراً جميلاً.
قولوا لهم.. إن الامتنان للإمارات ليس مبالغة، بل عدل، وليس انفعالاً عابراً، بل موقف أخلاقي، لأن الوفاء للأوطان الكريمة ليس تفضلاً، والإنصاف للتجارب العظيمة ليس ترفاً، بل مسؤولية من يعرف أن بعض الدول لا يكفي أن تُذكر بخير، بل يجب أن يُشهد لها بما هي عليه حقاً.
ومن هنا يبدأ الحديث الصحيح عن الإمارات: لا من الأبراج، بل من الإنسان، لا من المظهر، بل من الجوهر، لا من الدهشة العابرة، بل من ذلك المعنى العميق الذي جعل هذا الوطن ثابتاً في رؤيته وطموحه ومبادئه، ومتغيراً نحو الأفضل في كل شيء آخر.
قولوا لهم... إن الإمارات لم تصبح الإمارات صدفة، بل لأنها امتلكت منذ البدء وضوح الفكرة، وصدق الإرادة، ونبل المقصد، هنا قامت دولة عرفت ماذا تريد، وعرفت كيف تمضي إليه، وعرفت أن احترام الإنسان ليس تفصيلاً في مشروعها، بل جوهر مشروعها.
قولوا لهم.. إن وراء هذا النموذج قيادةً من طرازٍ كبير، تتقدمها حكمة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، حفظه الله، الذي رسّخ في وجدان الناس معنى القائد الذي يزرع الطمأنينة بالفعل قبل القول، ويمنح الدولة هيبتها من غير استعراض، ويقودها بعينٍ على الحاضر وعينٍ على المستقبل، لقد كرّس سموه صورة القيادة التي لا تضطرب أمام التحديات، ولا تنشغل بالمظاهر، بل تبني وتحمي وتوازن، وتحسن قراءة الإقليم والعالم، وتبقي الإنسان في قلب المعادلة، وهذه ليست ميزة سياسية فحسب، بل نعمة كبرى من الله لهذا الوطن، لأن القائد الحقيقي لا يملأ المشهد ضجيجاً، بل يملأ نفوس الناس يقيناً بأن وطنهم في يدٍ أمينة تعرف كيف تصون المنجز وتدفع به إلى الأمام.
قولوا لهم.. إن عظمة الإمارات تُقرأ كذلك في التعاضد الرفيع بين صاحب السمو رئيس الدولة وإخوانه أصحاب السمو حكام الإمارات، ذلك التعاضد الذي جعل من الاتحاد حقيقةً متجددةً لا ذكرى تأسيس فقط. هنا لا يقوم الاتحاد على الصيغة الدستورية وحدها، بل على أخلاق سياسية نادرة: تفاهمٌ يعلو على التفاصيل، وإخلاصٌ يسبق الحسابات، ووعيٌ بأن رفعة كل إمارة من رفعة الاتحاد كله، وأن قوة الاتحاد من تماسك قادته حول رؤية واحدة ومصير واحد.
قولوا لهم.. إن الأمن في الإمارات ليس مجرد غيابٍ للخطر، بل حضورٌ كامل للثقة، وأن العدالة فيها ليست مادةً في القانون فقط، بل روحٌ تحكم العلاقة بين الدولة والناس، وإن الاستقرار فيها ليس ركوداً، بل بيئةٌ منتجةٌ للحياة والطموح والإنجاز.
قولوا لهم.. إن الذين يرمون الإمارات كذباً وسفاهةً وافتراءً وجهلاً، لا يجرحونها بقدر ما يكشفون ضآلة أدواتهم أمام تجربة أكبر من أحقادهم، فالإمارات ليست في حاجة إلى أن تنزل إلى مستوياتهم لأن منجزها أبلغ من الرد عليهم، وإنسانيتها أفصح من افترائهم، وعروبتها العملية أنصع من مزايداتهم، ومواقفها في البناء والإغاثة والوفاء للإنسان أينما كان أكفأ من أن ينازعها فيها صخبُ العاجزين، إن أصغر إنجازٍ في الإمارات أكبر من حملاتهم، وأبسط موقفٍ إنساني لها أرفع من ادعاءاتهم، وأهدأ خطوةٍ تخطوها هذه الدولة في اتجاه المستقبل تمحو ضجيجاً كاملاً من الأكاذيب.
قولوا لهم.. إن عروبة الإمارات ليست شعاراً يعلو في المواسم ثم يخفت، بل ممارسةٌ ثابتةٌ في الموقف، ونبلٌ يظهر عند الحاجة، ووفاءٌ لا يضج بنفسه، فهي لم تتاجر بعروبتها، بل حملتها مسؤولية، ولم ترفعها لافتةً للزينة، بل ترجمتها عملاً يليق بالأشقاء، واحتراماً للإنسان العربي، وإيماناً بأن قوة هذه الأمة لا تكون بالصراخ، بل بصناعة نموذجٍ ناجحٍ ومشرّفٍ يرد الاعتبار، وإلى قيمة الاعتدال، وإلى فضيلة البناء.
قولوا لهم.. هذه هي الإمارات: وطنٌ يقوده صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، حفظه الله، بحكمةٍ تليق بالكبار، ويشد أزره إخوانه أصحاب السمو حكام الإمارات بتعاضدٍ يليق بجلال الاتحاد.
قولوا لهم.. بملء الفخر الذي يليق بالانتماء، وبملء الصدق الذي يليق بالشهادة، وبملء الامتنان الذي يليق بهذا الوطن العظيم: هذا اليقين فينا اسمه الإمارات، وهنا تعرف معنى المجد حين يكون نبيلاً نقياً واثقاً وأكبر من أن يكتب في كلمات.
يوسف الطويل *
قبل فترة كتبت مقالاً في صحيفة الخليج بعنوان: «عذراً أيها العالم.. المعيار أصبح إماراتياً»، ولم يكن ذلك توصيفاً عاطفياً بقدر ما كان قراءة لواقع استثنائي تشكّل بهدوء، وتراكم حتى أصبح واضحاً لمن أراد أن يرى، ولمن أراد أن يتقدم حتى، واليوم تبدو تلك الفكرة أمام اختبار من نوع مختلف، ليس اختبار صحة المعيار، بل اختبار ما يحدث حين يصبح هذا المعيار متفوقاً جداً ومقلقاً للبعض إلى هذا الحد.
على مدار ما يقارب الشهر تتعرض دولة الإمارات العربية المتحدة إلى عدوان إيراني آثم وغادر في مشهد لا تراعي فيه إيران جواراً ولا تحفظ أبسط قواعد المسؤولية تجاه الدول ولا تجاه أفعالها أيضاً، ومع خطورة وقباحة الاستهداف العسكري الذي نراه في صواريخ ومسيرات، نرى فعلاً موازياً لا يقل خطورة وغيرة، تُديره أطراف أخرى، قريبة وبعيدة، اختارت أن تخوض منافستها خارج الميدان، عبر فبركة الأكاذيب، وتشويه الوقائع، ومحاولة إعادة صياغة روايات هزيلة، بعد أن عجزت عن مجاراة واقع الإمارات فلجأت إلى تزييف الحقيقة.
وهنا تحديداً، تتضح الصورة أكثر، فالإمارات لا تُستهدف لأنها ضعيفة، ولا لأنها قابلة للاختراق، بل لأنها -وبهدوء متراكم- تحولت إلى معيار عربي وعالمي. والمعايير، بطبيعتها، لا تُهاجم لأنها هشة، بل لأنها تكشف الفارق، ولأنها تضع الآخرين أمام مرآة لا يمكن كسرها بسهولة، ولا يمكن الهرب مما تعكسه.
فالصواريخ، مهما بلغت رغم غدرها، تستهدف ما هو مادي، أما السرديات، بما تحمله من تضليل وتشويه، فمحاولتها أعمق: أن تُصيب الثقة -وهذا أصعب ما يصبون إليه-، وأن تُربك الصورة -وهذا وهم لأنها أصل وأصالة-، وأن تُدخل الشك إلى نموذج بُني على وضوح واستمرارية! وهذه ليست معركة عابرة، بل هي جوهر الحكاية لدى البعض ممن أتعبتهم مجاراة الإمارات ولم تسعفهم أنفاسهم فصاروا بأكاذيبهم إلى ما صاروا إليه.
غير أن ما يصطدم به هذا النوع من الاستهداف، هو أن الإمارات لم تبنِ صورتها عبر حملات، بل عبر تجربة. فالثقة التي تشكّلت حولها لم تكن نتاج خطاب، بل نتيجة واقع عاشه الملايين، واختبروه يومياً، ووجدوا فيه ما يكفي ليبقوا، ويعملوا، وينجحوا، ويختاروا هذه الأرض حباً وطواعية مرة بعد مرة. وهذه الحقيقة، تحديداً، هي ما يجعل من أي محاولة للتشويش مهما بدت منظمة لا تستطيع الوقوف أمام أبسط ميزات الإمارات وليس أبسط إنجازاتها فأبسطها أكبر من أكبر أكاذيبهم.
ولأن هذه التجربة لم تتشكل صدفة، فإن فهمها لا ينفصل عن فهم القيادة التي صنعتها. فالدول، في لحظات الاختبار، تشبه قادتها أكثر مما تشبه مواردها، وتشبه شعبها أكثر مما تشبه ظروفها، ولهذا نرى الإمارات بهية شجاعة نقية شامخة حتى في هذه الأزمة. فمنذ أن أسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، هذا الاتحاد، لم يكن يؤسس لدولة بقدر ما كان يؤسس لمعنى: أن الاستقرار قرار، وأن الإنسان هو الثروة الحقيقية، وأن الاتحاد ليس اتفاقاً سياسياً، بل حالة ثقة متجذرة.
هذه الرؤية استمرت وتعمّقت حتى أصبحت اليوم، في عهد صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، حفظه الله، ومعه إخوانه أصحاب السمو حكام الإمارات، منظومة قيادة تدير التوازن بدقة، وتقرأ التحديات بوعي، وتتحرك بثبات لا يستفزه الضجيج ولا تُربكه اللحظة.
ومن هنا، فإن القوة في الحالة الإماراتية ليست مجرد قوة مادية وعسكرية فقط -على أهميتهما- بل هي قبل ذلك قوة المعنى، ثقة مجتمع، وانتظام مؤسسات، وقيادة تعرف ما تفعل، وشعب مؤمن بالله والوطن وملتف حول قادته. قوة تظهر حين يفترض البعض أنها ستختفي، وتثبت حين يُراد لها أن تهتز، وتستمر حين يُتوقع لها أن تتعطل. وهذه القوة، تحديداً، هي ما يجعل من أي استهداف -مهما كان مصدره- محدود الأثر ومعدوماً في مواقع كثيرة، لأنه يصطدم ببنية داخلية لا تُكسر، لأنها لم تُبنَ على الظرف، بل على الرؤية.
ولهذا، فإن السؤال لم يعد: لماذا تُستهدف الإمارات؟ بل: ماذا يكشف وجود من يستهدفها كذباً بهذا الشكل؟ والإجابة، في جوهرها، أن الإمارات لم تعد مجرد دولة ناجحة، بل هي معيار يُحرج المقارنة، ويضع الجميع أمام حقيقة لا يمكن تجاهلها: أن ما هو ممكن قد تحقق بالفعل وأن ما هو قادم في الإمارات أكبر لأنها دولة أفعال لا أقوال.
الإمارات لا تحتاج إلى أن ترفع صوتها لتثبت قوتها، ولا إلى أن تدخل في صراع سرديات لتدافع عن صورتها. يكفي أنها، في أي أزمة تبقى على ما هي عليه.
ولهذا، فإن كل ما يُحاول أن يمس الإمارات يصطدم بحقيقة واحدة:
أن ما يُستهدف ليس مجرد دولة.. بل معيار. والمعيار، حين يُبنى بهذا العمق، لا يُكسر.. بل يَكشف.
* المؤسس والرئيس التنفيذي - الشبكة الوطنية للاتصال NNC
يوسف الطويل
في حياة الأمم لحظات تختبر فيها المعاني الكبرى: معنى الوطن، ومعنى الانتماء، ومعنى الولاء. وفي مثل هذه اللحظات يكتشف الإنسان أن الوطن ليس مجرد أرض يقيم عليها، ولا مجرد جواز سفر يحمله، بل حالة شعورية عميقة تسكن القلب وتعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان والمكان والتاريخ والمستقبل.
الإمارات وطن لا يمكن لأي إنسان عرفها ويعرف معنى الوفاء أن يكون محايداً تجاهها. فهي ليست مجرد دولة حديثة نجحت في بناء مدن متقدمة أو اقتصاد قوي، بل تجربة إنسانية وسياسية فريدة في هذا العالم المضطرب، تجربة قامت منذ بدايتها على فكرة عميقة وبسيطة في آنٍ واحد: أن الإنسان هو الثروة الحقيقية، وأن الأمن والكرامة والفرصة ليست امتيازات نادرة، بل حق لكل من يعيش على هذه الأرض.
منذ أن وضع المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، مع إخوانه الحكام، الأسس الأولى لهذا الاتحاد، لم يكن المشروع مجرد اتحاد جغرافي بين إمارات، بل كان مشروعاً أخلاقياً قبل أن يكون مشروعاً سياسياً، مشروعاً يقوم على المحبة، وعلى الحكمة، وعلى إيمان عميق بأن بناء الإنسان يسبق بناء العمران.
ولهذا لم تكن قصة الإمارات قصة أبراج شاهقة أو طرق حديثة فقط، بل قصة مجتمع اختار أن يبني علاقته بالعالم على السلام والتعاون والانفتاح. قصة دولة آمنت بأن القوة الحقيقية ليست في الضجيج، بل في الاستقرار، وفي القدرة على تحويل الطموح إلى إنجاز، والحلم إلى واقع.
وفي عالم يموج بالصراعات والانقسامات، أصبحت الإمارات مساحة نادرة يلتقي فيها الناس من مختلف الجنسيات والثقافات تحت سقف واحد من القانون والاحترام والفرصة، ملايين البشر جاؤوا إلى هذه الأرض بحثاً عن مستقبل أفضل، فاكتشفوا أنهم لم يجدوا مجرد فرصة عمل، بل وجدوا وطناً يمنحهم الطمأنينة والكرامة وإمكانية الحلم.
وهنا يكمن سر العلاقة العميقة التي نشأت بين الإمارات وكل من عاش على أرضها بصدق: علاقة لا تقوم فقط على المصالح، بل على الامتنان.
ولأن الامتنان الحقيقي لا يكون شعوراً عابراً، بل موقفٌ أخلاقيٌ واضحٌ، فإن الولاء للإمارات ليس شعاراً يرفع في المناسبات، بل موقف يتجلى في لحظات الاختبار.
نحن مع من يحترمها، مسالمون لمن يسالمها، لكننا نقف بحزم ونعادي من يحاول المساس بها، ليس لأن الإمارات تبحث عن خصومة مع أحد -هي تتعرض الآن لعدوان غاشم وغادر- بل لأنها دولة بنت مكانتها بالسلام والعمل والإنسان، ومن الطبيعي أن يقف أبناؤها وكل من أحبها دفاعاً عن هذا النموذج الذي أصبح مصدر أمل لكثير من الشعوب.
فالحياد قد يكون فضيلة في بعض القضايا، لكنه يفقد معناه حين يتعلق الأمر بالوطن.
الوطن ليس موضوعاً للنقاش البارد، ولا مساحة رمادية بين موقفين، الوطن موقف واضح، والانتماء الحقيقي لا يقبل التردد، ومن ليس فيه خير لوطن كان له خير في كل تفاصيله -قادته وشعبه وأرضه وبحره وسماه- فلا خير فيه!
لهذا، حين نقول: إنه لا حياد في حضرة الإمارات، فنحن لا نتحدث بلغة العاطفة فقط، بل بلغة التجربة أيضاً، تجربة وطن استطاع خلال عقود قليلة أن يحول الصحراء إلى قصة نجاح عالمية، وأن يجعل من قيم مثل التسامح والتعايش والعمل المشترك واقعاً يومياً يعيشه الملايين.
إن الدفاع عن الإمارات ليس دفاعاً عن دولة فحسب، بل دفاع عن فكرة أثبتت أن العالم يمكن أن يكون أكثر إنسانية حين تقوده الحكمة، وأكثر ازدهاراً حين يكون الإنسان في قلب المعادلة.
ولهذا، فإن من عرف الإمارات حقاً يدرك أن العلاقة معها لا يمكن أن تكون علاقة باردة أو محايدة. إما أن ترى وتقدر ما فيها من خير وإنجاز ومحبة، فتكون أهلاً لتكون فيها ومعها، أو أن تختار أن تقف خارج هذه القصة.
أما الحياد.. فلا مكان له في حضرة الإمارات.
*الرئيس التنفيذي للشبكة الوطنية للاتصال NNC
ليس من طبيعة التاريخ أن يُختصر في لحظة، ولا أن يُجسَّد في شخص، فهو مسارٌ تراكميٌّ طويل، يُكتب بعد أن يمضي، ويُقرأ بعد أن يهدأ، ويُفهم حين تتكشّف طبقاته وتأويلاته. غير أن التاريخ، في لحظات نادرة، يقف عند الحكماء والعارفين، لا ليُختزل فيهم، بل ليصغي إلى معرفتهم، ويختبر في حاضرهم ملامح مستقبله. وهنا يظهر أولئك الذين لا ينتظرون حكم التاريخ عليهم، بل يقابلونه وجهاً لوجه، لا مواجهةً ولا ادّعاءً، بل حملاً للمسؤولية، وفِعلاً معرفياً عميقاً، ومساراً فكرياً طويلاً يؤمن بأن المعرفة هي أعلى أشكال السيادة وأكثرها ديمومة.
من هذا الأفق يمكن فهم تكريم رئيس جمهورية البرتغال لصاحب السموّ الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى، حاكم الشارقة، بمنحه القلادة الكبرى لوسام كامويش وهو أعلى وسام ثقافي سيادي في البرتغال. ليس بوصفه حدثاً احتفالياً، ولا باعتباره تتويجاً يُطلب أو يُنتظر، فالتكريم لم يكن يوماً جديداً على سموّه، ولا هدفاً سعى إليه، بل لحظة اعتراف ثقافي برجلٍ بنى مساره خارج منطق المظاهر والجوائز، وداخل منطق المعنى.
فصاحب السموّ الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي لم يتعامل مع الزمن كعدٍّ تنازلي للإنجازات، بل كمساحة أخلاقية للفعل. في فلسفة حضوره، الزمن ليس ما يمرّ بنا، بل ما نُضيفه إليه. ومن هنا، لم تكن الثقافة عنده زينةً للسلطة، بل شرط لشرعيتها، ولم تكن اللغة أداة خطاب، بل وعاء هوية، ولم يكن التاريخ سرداً منتهياً، بل مسؤولية مستمرة.
وفي زمنٍ تسارعت فيه اللحظة حتى كادت تبتلع المعنى، اختار صاحب السموّ الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي طريقاً مغايراً: إعادة وصل الزمن بالمعرفة، فأسّس مشروعاً ثقافياً متكاملاً ضمّ الكتاب، والمدرسة، والجامعة، والمتحف، والمسرح، والفن، والعلوم، لا بوصفها مؤسساتٍ تُحصى، بل مساحات للتفكير وبناء الإنسان. ومن الشارقة، لم تُنشأ مشاهد لتُرى، بل بُني نظام معنى، يرى في العلم والثقافة فعلاً يومياً، وفي الحوار الحضاري ممارسة هادئة وعميقة، وكتب سموّه التاريخ لا ليُخاصم الحاضر، بل لينقذه. وقابل التاريخ لا ليختصره، ولا ليعيد تشكيله وفق الهوى، بل ليأخذ منه الحقيقة كما هي، ويُدوّنها بصدق العارف ومسؤولية المؤرخ، فاتحاً بها باب حوارٍ إنسانيٍّ عادل، يقوم على المعرفة لا الادّعاء، وعلى الإنصاف لا الغلبة.
هذا الوسام، وهو أرفع تكريم ثقافي في البرتغال، يحمل اسم شاعرٍ جعل اللغة وطناً. واللغة، حين تُفهم بهذا العمق، تصبح أكثر من وسيلة تواصل، تصبح بيت الوجود. لذلك يلتقي معنى هذا التكريم مع مسار صاحب السموّ الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي: رجلٌ آمن بأن حماية اللغة ليست دفاعاً عن الماضي، بل ضمانٌ للمستقبل، وأن احترام لغات العالم الأخرى ليس تنازلاً عن الهوية، بل توسيعٌ لأفقها الإنساني.
ويعلّمنا تاريخ التجربة الإنسانية أن أخطر ما يهدّد المجتمعات المختلفة ليس تنوّعها، بل تآكل المعنى الإنساني الذي يجعل الاختلاف قابلاً للفهم لا سبباً للقطيعة. وحين يضعف هذا المعنى، تصبح الثقافة مسؤولية حضارية، لأنها تمنح المجتمعات لغةً أخلاقية للحوار عبر الزمن والاختلاف. ومن هنا، تتجلّى دلالة هذا التكريم بوصفه اعترافاً بقامةٍ فكريةٍ عربية جعلت من المعرفة جسراً إنسانياً، لا أداة مقارنة أو تفاضل.
ورغم أن كون صاحب السموّ الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي أولَ شخصيةٍ عربية تتسلّم هذا الوسام منذ استحداثه يُعد محطة بارزة تنضم إلى مسيرته الحافلة، فإن سموّه لا ينظر إليه بوصفه سبقاً شخصياً أو معياراً للمفاضلة، بل إشارة زمنية تؤكد أن الثقافة العربية، حين تُحمَل بعمق ومسؤولية، تُقابل التاريخ بثقة، وتُخاطب العالم من موقع الشراكة لا الادّعاء.
في هذا التكريم، لم تقابل البرتغال صاحب السموّ الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي فقط، بل قابلت مساراً فكرياً حكيماً لم يسعَ إلى أن يُخلّد اسمه في التاريخ، بقدر ما سعى إلى أن يجعل التاريخ أكثر عدلاً، وأكثر صدقاً، وأكثر إنسانية. مسار قائدٍ يعرف أن الزمن لا يُقهر بالقوة، بل يُقابل بالمعرفة، وأن التاريخ لا يُسترضى، بل يُحترم.
وهكذا، لم ينتظر صاحب السموّ الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي أن يمرّ التاريخ من أمامه، بل مشى إليه بهدوء الحكمة، وبثقة العارف، وترك فيه، وفي حاضرنا، وفي المستقبل، أثراً لا يُقاس باللحظة، وسموّاً يتعاظم مع الزمن.
*الرئيس التنفيذي - الشبكة الوطنية للاتصال NNC
يوسف الطويل*
كثيراً ما تتردد في فضاءات الأعمال مقولة «المعايير العالمية» ((International Standard)) وكأن الجودة تُقاس دائماً بميزان خارجي، ينتمي إلى جغرافيا أخرى.
هذه الفكرة تتهاوى تماماً أمام واقع دولة الإمارات العربية المتحدة، التي لم تنطلق من قطيعة مع العالم، ولا من إنكار لتجاربه، بل من تقدير واعٍ لها، واستفادة ذكية منها، وبناء متراكم عليها، لتعيد صياغتها برؤية سيادية أصيلة.
الإمارات لم تعمل وفق نموذج مستورد أو قالب جاهز، بل صاغت من هذا التفاعل الحضاري معيارها الخاص الذي أصبح اليوم مرجعاً عالمياً قائماً بذاته، يُستشهد به ويُحتذى، لا بوصفه بديلاً عن العالم، بل إضافة راقية إليه.
هنا لا تُقاس الإمارات بالمعايير، بل تُقاس عليها المعايير. فمستوى البنية التحتية، وجودة الخدمات، وسرعة التطور، وكفاءة التنظيم، والأمان، والابتكار، وجودة الحياة، جميعها تشكّل منظومة متكاملة تعكس نموذجاً فريداً تُستنسخ منه التجارب وتُقرأ من خلاله خرائط المستقبل. إنها معايير إماراتية خالصة تنطلق من أصالة التجربة، واحترام الإنسان، وصدق النوايا في ترسيخ جودة تتجاوز التوقعات.
ولأن المعايير لا تولد صدفة، فإن هذا التحول لم يكن تطوراً عابراً، بل ثمرة رؤية قيادية استثنائية آمنت بالإنسان قبل البنيان، وبالمستقبل قبل الحاضر. فقد شكّلت القيادة الإماراتية، بوعيها الاستشرافي ونهجها المؤسسي الراسخ، البوصلة التي وجّهت مسار الدولة نحو بناء نموذج تنموي لا يكتفي بمواكبة العالم، بل يقوده. رؤية جمعت بين الجرأة والحكمة، وكرّست الجودة كثقافة يومية، والتميّز كممارسة مؤسسية، والإنسان محوراً لكل قرار. وهكذا أصبح «المعيار الإماراتي» انعكاساً مباشراً لهذه القيادة التي حوّلت الحلم إلى واقع، والرؤية إلى مرجعية عالمية يُحتذى بها.
وإذا كنت أيها العالم تبحث عن الأمان، فالإمارات قدّمت نموذجاً متكاملاً في منظومة حماية الحقوق، يشعر فيه الإنسان، مواطناً أو مقيماً أو زائراً، بأن حياته وكرامته وممتلكاته مصونة بمنطق مؤسسي راسخ. وإذا كنت تبحث عن بنية تحتية، فهنا تلتقي دقة التصميم بكفاءة التشغيل، وتعمل المدن وفق تخطيط ذكي، وتتحول المطارات والموانئ إلى شرايين لوجستية تبهر العالم بسلاستها وسرعتها.
أما الخدمات العامة والحكومية فهي قائمة على فلسفة واضحة: تصفير البيروقراطية، وتقديم الأفضل قبل أن يُطلب، والارتقاء بالتجربة الإنسانية إلى ما فوق المتوقع.
وفي عالم الأعمال، تُختبر في الإمارات أكثر النماذج الإدارية كفاءة، حيث تجد الشركات بيئة تنظيمية تختصر الزمن، تقلل التعقيد، وتحوّل الفكرة إلى واقع بسرعة تتجاوز النماذج البيروقراطية التقليدية. وحتى في الفعاليات الكبرى، نجحت الإمارات في إبهار العالم في الأفكار والتنظيم والاستقطاب وتنامي الفرص والأعمال والتكامل في إدارة الحشود والمنصات الرقمية، ضمن شبكة واحدة تعمل بتناغم يضمن فعالية التشغيل واحترام زمن الإنسان وراحته، ولن نخوض في خدمات الضيافة والسياحة فتلك مساحة إماراتية تحتاج إلى كتب لوصفها.
ومع كل ما رسخته الإمارات من إنجازات، فإنها لا ترى التميز محطة وصول، بل مساراً مستمراً. نعم، لا تزال تسعى لإضافة المزيد إلى محفظة تفوقها، لكنها في الوقت ذاته تمتلك من الريادة ما يجعلها مرجعاً عالمياً يمكن الاعتزاز به والاحتكام إليه. وهنا يمكن القول بكل فخر: هذا هو المعيار الإماراتي – Emirati Standard. ليس وصفاً احتفالياً، بل مفهوماً عملياً يعكس مستوى محدداً من الجودة والكفاءة والموثوقية، يجب أن يُطلب ويُعتمد في العديد من القطاعات والخدمات والمنتجات داخل الدولة وخارجها. إنه المقياس العالمي الجديد الذي يعيد تعريف معنى الجودة، ويغيّر شكل المقارنة، ويعيد رسم شكل القمة ذاتها.
وحين تُتداول عالمياً عبارة International Standard بوصفها التعبير الأكثر شيوعاً عند الحديث عن الجودة والتميّز، وباعتبار اللغة الإنجليزية اللغة الأكثر انتشاراً وتأثيراً في الخطاب العالمي، اسمحوا لنا أيها العالم، وبكل حب لكم وفخر بوطننا، أن نقولها بنفس اللغة، وبنفس الثقة، بل وبمضمون أعمق: نحن لا نكتفي بعد اليوم بأن نبحث عن International Standard، بل نُعلن ونطالب بأن يكون المقياس هو Emirati Standard. معيار ينبع من تجربة حقيقية، ورؤية ناضجة، ومنهج مؤسسي أثبت قدرته على إعادة تعريف الجودة لا مجاراتها فقط، مع احترامه لكافة التجارب العالمية التي لم تتردد الإمارات يوماً في الاستفادة منها والبناء عليها.
فحين نقول «Emirati Standard» فنحن لا نصف حالة، بل نعلن مرجعية تقوم على دقة الأداء، وسموّ القيم، واحترام الإنسان، وتحويل الرؤية إلى واقع ملموس. مرجعية بدأت من الإمارات، لكنها تمتد اليوم إلى مساحات متزايدة من العالم الباحث عن نموذج يوازن بين الحداثة والإنسانية، وبين القوة والرقي، وبين التفوق والمسؤولية.
* الرئيس التنفيذي - الشبكة الوطنية للاتصال (NNC)