هل بالإمكان أن تستغني عن جهازك المتحرك ليوم واحد فقط، أم أنه من الصعب عليك؟ يبدو السؤال بسيطاً، لكنه في واقع الحياة اليومية المعاصرة أصبح تحدياً حقيقياً، فالبعض أصبح هاتفه المتحرك عبارة عن حقيبة حياة كاملة فيه كل ما يحتاج إليه وما لا يحتاج إليه في يومه، ففيه بطاقة الدفع وقناته الإعلامية التي يبث بها على الهواء أين ذهب وأين هو سائر، وكأن العالم كله ينتظر تحديثاته لحظة بلحظة، وهو كاميرته التي سيصور بها كل شيء منذ خروجه من المنزل إلى وجهته التالية، وتصوير نفسه وهو يأكل في المطعم، وتصوير قهوته وكل ما حولها، وفي هذا الجهاز قائمة طلبات المنزل التي سيشتريها، وفيه المحادثات مع «جروب» العمل أو المنزل، ويطلع عليها كل دقيقة.
أصبح كل شيء في قطعة جهاز محمول واحد، فهو الهاتف لعمل المكالمات المهمة، وهو بطاقة الدفع وهو الكاميرا والإذاعة والترفيه والألعاب، والمنبّه، وقلم الملاحظات لتدوين الأفكار، حتى تم تهميش القلم الحقيقي والورق، اعتماد كلي وإجباري على هذا الجهاز الذي سرق منا الهدوء ولحظات الحياة والاستمتاع بها لحظة بلحظة.
هل هذا الاعتماد الشديد على هذا الجهاز صحي، أم أننا في زمن يفقد فيه المرء قضاء يوم طبيعي دون الحاجة إلى التوثيق بالصور أو التصفح الارتجالي والتحقق المستمر من وصول إشعارات جديدة من هنا وهناك؟ قبل سنوات، كان كل شيء طبيعياً وأكثر صدقاً وهدوءاً، لحظات كان الجميع يعيشها لنفسه، لا ليشاركها مع الآخرين، واليوم أصبح الحال بالعكس تماماً.
ولو جرب أحدنا أن يترك هاتفه جانباً ليوم كامل سواء كان بالمنزل أو خارجه، ربما سيكتشف أن العالم لا يتوقف، وأن الوجبة لذيذة حتى بدون صورة، وأن الطريق والمشاهد التي يمر عليها أجمل حين يراها بالعين لا من خلف عدسة الجهاز، وأن الهدوء يمكن أن يعود إذا سمحنا له بالعودة.
هذا التحدي بسيط، لكنه قد يكشف الكثير عن كل واحد منا، وعن تعلقنا بهذا الجهاز، فهل تقبل أنت هذا التحدي؟ وهل تستطيع الاستغناء عنه ليوم واحد أو حتى نصف يوم؟

[email protected]