يحيى زكي

هل لا نزال في حاجة إلى التنوير؟ ذلك المفهوم الذي اختفى من ساحتنا الفكرية والإعلامية، بعد أن ملأ الدنيا وشغل الناس لعقود طويلة. كان التنوير في سياقاته الأوروبية نهاية للقرون الوسطى المظلمة، وفاتحة لمرحلة مختلفة تماماً سادتها شعارات عديدة، لعل أبرزها إعمال العقل ضد الخرافة والتطرف والمتاجرة باسم الدين، وبرزت في هذا الإطار عدة أسماء وازنة منها فولتير ومونتسكيو وغيرهما، والدارس للتاريخ يعرف أن التنوير الذي انتشر وراجت مفاهيمه في معظم أقطار العالم، ومنها الوطن العربي هو التنوير الوسطي والمعبّر عن التجربة الفرنسية تحديداً، ففي القرن الثامن عشر انتشر نوع متطرف من التنوير، الذي يعادي تقاليد وعادات المجتمع، ويدعو إلى التخلي عنها نهائياً.
جاء التنوير في العالم العربي على إثر مدافع نابليون، عندما أدركت مجموعة من النهضويين ضرورة الأخذ بالعقلانية والعلم الحديث والتخلص من عباءة قرون طويلة من الانعزال عن العالم ومستجداته، وهي الظروف التي أدت إلى وقوع العالم العربي في قبضة الاستعمار الأوروبي.
كان التنوير العربي في جميع مراحله وسطياً، منذ بدأ مع الطهطاوي والشدياق وخير الدين التونسي، وسطية توازن بين التراث والعصر، والأصالة والحداثة، ، حتى في علاقته بالغرب نفسها، فقد آمن المنورون العرب بأهمية الأفكار والفلسفة الغربية ورفضوا النزعة المركزية والاستعمارية للغرب.
تسلل التنوير أيضاً إلى علاقة المثقف بالجمهور، وتقنيات الكتابة، وبات المثقف العربي يكتب وينتج فناً لجمهور واسع، فكان عليه أن يبسط أسلوبه ولا يضحّي في الوقت نفسه بعمق الفكرة وما يريد من ورائها.
كان التنوير في الحالة العربية في أحد معانيه هو تثقيف الجمهور، والصعود به والارتقاء بذائقته، وفق أساليب وطرائق عدة، وفي معنى آخر كان يواجه التيارات المتطرفة وإظهار أن لا علاقة لها بالإسلام، وأنها لا تهدف إلا إلى الحكم والسيطرة والهيمنة، وفي معنى ثالث كان التنوير صلة وصل بالماضي والتراث، وسنلاحظ هنا أن تراثنا الذي بإمكاننا قراءته حالياً يتمثل في أعمال كانت بمثابة إعادة قراءة قام بها المنورون العرب لذلك التراث، فنحن عندما نود قراءة التاريخ الإسلامي والأدب العربي القديم لا نعود، غالباً، إلى المصادر الأصلية الأولى ولكن إلى كتابات طه حسين والعقاد وأحمد أمين ومحمد حسين هيكل.
كان التنوير العربي طوال ما يقرب من قرنين سردية متماسكة ومتكاملة، واستطاع تبسيط الثقافة القديمة والانفتاح على العالم الحديث، وحصّن العقول ضد الجهل والتخلف والتطرف، وبرغم مروره بمراحل من نهضة واستقلال وما بعد ذلك، إلا أنه في جميع مراحله اتسم بوضوح الفكرة والتطلع إلى التقدم.
أما السؤال الذي ربما لا يقاربه أحد الآن، فهو ما بدأنا به: هل لا نزال في حاجة إلى التنوير؟ إن كل الظروف المحيطة بنا تؤكد تراجع المستوى المعرفي في عصر التكنولوجيا الحديثة، وهناك أفكار وتيارات تحتاج إلى من يكشف خداعها، ولو تأملنا الواقع أكثر سيتضح لنا أن حاجتنا الآن تتضاعف إلى تنوير يتجاوز التفاهة المتفشية وينتصر على الأفكار الظلامية.