ليس لدى الجنرال الاسرائيلي ما يفعله إذا انتهت الحرب، سوى أن يتذكّر دبّابته المصفحة التي تدمّرت وبقيت رابضة في مكانها كومة من الحديد، غير أن شاباً فلسطينياً في العشرين من عمره حوّل الآلية العسكرية المعطوبة إلى نقطة لشحن الهواتف، وقد استفاد من كل هذا الحديد المكوّم بالقرب من البحر، وهنا، فالحاجة ليست أم الاختراع، بل إنّها المخيلة الفلسطينية الشابة التي تسخر من السلاح الصلب، وتحوّله إلى شيء آخر غير هدفه الوجودي الانتحاري.
قصة الشاب الفلسطيني تذكرك صديقي القارئ ربما للمرة العاشرة بقصة المرأة الخمسينية الغزّاوية التي حوّلت القنابل الإسرائيلية المفرّغة إلى آنية لزراعة الزهور كأنّها تقيم معرضاً للذكرى، وقد تكون إحدى شظايا تلك القنابل مزروعة في عظام ابنها أو ابنتها، من دون وجع أو دموع.
قصص إنسانية من هذا النوع هي ليست سريالية أو فوق واقعية، بل هي الواقع المجرّد برمته من دون خيال أدبي رفيع المستوى الفني، كما هي العادة دائماً في الكتابة المثقفة.
هنا، لا حاجة للشاب الذي حوّل الآلية المصفّحة إلى مشروع إنتاجي صغير. لا حاجة له للخيال الأدبي، بل هو ابن لحظته الواقعية تماماً، وهو يفرّغ العربة المسلحة من محتواها الدموي إلى محتوى فلسطيني صغير كان محمود درويش قد اختصره في ست كلمات: «على هذه الأرض ما يستحق الحياة».
وفي كل الأحوال، انتهت الحرب أم لم تنته هنا أو هناك، في غزة أو في أي مكان في العالم كلّه، تذهب القنبلة إلى الجحيم، وتبقى الوردة، وفي حالة الشاب الفلسطيني صاحب الفكرة الجميلة، فقد انتهى عمل الجنرال، وبقي في الحياة عمل الشاب.
إنها بالضبط تلك المفارقات التي تصنعها ثقافة الحياة، فقد نجا الشاب والجنرال من الموت، لكن بقيت لكل منهما أمثولته وحكايته. الجنرال الذي كان يقود الآلية العسكرية سيتقدم في العمر، ويكتهل، وسوف يحكي لأحفاده كيف كان يقتل الأطفال والطيور في الحرب، بينما سيحكي الشاب لأبنائه في المستقبل القريب كيف حوّل الحديد إلى قصة جميلة، واقعية تماماً، وحقيقية، مثل تلك الحقيقة التي لا تموت حتى لو مات الطفل، أو مات العصفور.
هل ننتقل إلى مستوى آخر لم يكن يخطر على بال الشاب والجنرال؟ حسناً وليكن، نعم، ليكن أن تتحوّل المدرّعة الحديدية إلى وثيقة مادية أو تتحوّل إلى عمل فني، كأن تصبح نوعاً من النحت المتبقّي خلف الحرب. نعم منحوتة إسرائيلية تركها فنان سيئ الحظ، لم يكن لديه ما يفعله سوى إطلاق النار.
وما أكثر الأعمال الفنية السيئة الإبداع في أرض الحرب التي هي أرض البشر، الأرض التي لا يحبّها الجنرال العجوز.
الشاب والجنرال
5 ديسمبر 2025 00:23 صباحًا
|
آخر تحديث:
5 ديسمبر 00:23 2025
شارك