جابر محمد الشعيبي*

يتجه سوق العمل في دول الخليج نحو مرحلة مفصلية ستغيّر شكل الوظائف وطبيعة المهارات المطلوبة خلال الأعوام المقبلة، مدفوعة بتسارع التحول الرقمي وتبنّي الذكاء الاصطناعي والروبوتات والأتمتة في مختلف القطاعات. ومع اقتراب عام 2030، لم يعد النقاش يدور حول ما إذا كانت بعض الوظائف ستختفي، بل حول توقيت هذا الاختفاء ومدى سرعة ظهور وظائف جديدة قادرة على قيادة اقتصاد المستقبل. وهذا التحول لم يعد مجرد توقع أكاديمي، إذ يوضح تقرير «مستقبل الوظائف 2025» الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي أن نحو 92 مليون وظيفة تقليدية ستختفي عالمياً بحلول 2030، مقابل 170 مليون وظيفة جديدة ستولد نتيجة التحول الرقمي والاقتصاد الأخضر، وهو ما يعني أن ثلث المهارات الحالية للعاملين عالمياً ستحتاج إلى إعادة تأهيل جذري خلال السنوات الخمس المقبلة.
وفي الخليج، تتسارع وتيرة التغيير بسبب طموح الدول في التحول إلى مراكز عالمية للابتكار والاقتصاد الرقمي. فقد بدأت الوظائف المكتبية الروتينية تتراجع بشكل ملحوظ، خاصة تلك التي تعتمد على إدخال البيانات أو المتابعة الورقية أو الإجراءات الإدارية المكررة، بعدما أصبحت الأنظمة الرقمية قادرة على تنفيذ هذه المهام بكفاءة أعلى وبكلفة أقل. ومع توسع الأرشفة الإلكترونية والمنصات الحكومية الذكية، تراجعت الحاجة إلى أعداد كبيرة من الموظفين الإداريين، وأصبحت الوظيفة مكتملة تقريباً بنقرة واحدة عبر منظومات رقمية ذاتية التشغيل. وينطبق الأمر ذاته على خدمات العملاء التقليدية، حيث باتت الدردشة الذكية والأنظمة الصوتية التفاعلية تتولى الجزء الأكبر من التواصل مع المتعاملين في البنوك والاتصالات والجهات الخدمية.
وفي قطاع المحاسبة، تتقدم الأتمتة بسرعة كبيرة، خصوصاً في المهام منخفضة المهارة التي لم تعد تحتاج إلى تدخّل بشري مستمر، مع اعتماد المؤسسات على منصات مالية سحابية تعمل في الوقت الفعلي. أما المصانع والمخازن، فقد بدأت الروبوتات وأنظمة التحكم الذاتي تقود خطوط الإنتاج وجمع الطلبات ونقل المواد، الأمر الذي يقلص الحاجة إلى العمالة التقليدية ويعزز الاعتماد على التقنيات الدقيقة. ويشهد قطاع النقل بدوره تحولات عميقة مع دخول المركبات ذاتية القيادة وأنظمة إدارة الأساطيل الذكية، ما يغيّر مستقبل مهن عديدة كانت يوماً من أكثر المهن شيوعاً وانتشاراً.
ورغم تراجع هذه الوظائف، فإن التحولات تفتح الباب أمام وظائف جديدة تماماً أكثر قيمة وارتباطاً بالتكنولوجيا والاقتصاد المعرفي. في مقدمة هذه الوظائف تأتي مهن الذكاء الاصطناعي وتطوير الخوارزميات، وهي وظائف أصبحت جزءاً أساسياً من الخطط التحولية في الإمارات والسعودية وبقية دول الخليج. كما يتزايد الطلب على علماء البيانات ومحللي البيانات الضخمة الذين يشكّلون اليوم الركيزة الأهم في التخطيط الاقتصادي وفهم الأسواق وإدارة المدن الذكية. ويواكب ذلك صعود متسارع لمهن الأمن السيبراني التي أصبحت خط الدفاع الأول لحماية المؤسسات الحكومية والخاصة في بيئة رقمية معقدة.
وفي القطاع الصناعي، تنمو وظائف تطوير الروبوتات وصيانة الأنظمة المؤتمتة في ظل إنشاء مصانع ذكية تعتمد على التشغيل الذاتي. أما قطاع الطاقة فيشهد ثورة جديدة مع توسع مشاريع الطاقة النظيفة والهيدروجين الأخضر، ما يخلق طلباً واسعاً على مهندسين متخصصين في التقنيات المتجددة. وتبرز أيضاً وظائف الفضاء والاستشعار عن بُعد نتيجة توسع البرامج الفضائية الخليجية، إلى جانب صعود قوي للاقتصاد الإبداعي الذي يعتمد على المحتوى الرقمي عالي الجودة والتجارب التفاعلية.
وتدرك الحكومات الخليجية حجم هذا التحول، ولذلك بدأت في تحديث مناهج التعليم بما يركز على التفكير التحليلي والبرمجة والعلوم المتقدمة، إلى جانب إطلاق برامج لإعادة تأهيل الموظفين وتمكينهم من اكتساب مهارات جديدة تتناسب مع متطلبات سوق العمل. كما تعمل الدول على استقطاب المواهب العالمية وتعزيز بيئة عمل مرنة تشجع على الابتكار.
ولضمان تسارع هذا التحول، تبدو الحاجة ملحّة لتبنّي توصيات تضع المنطقة في موقع أكثر تنافسية، من أبرزها تطوير مؤشرات دقيقة لقياس المهارات العالية لدى الأفراد بهدف تحديد أصحاب الكفاءات القادرين على قيادة اقتصاد المستقبل. فالمهارة لم تعد تُقاس بالشهادات فقط، بل بقدرة الفرد على التعلم المستمر، والتفكير الابتكاري، والتكيف مع التقنيات الجديدة، وحل المشكلات المعقدة. كما أن وجود مؤشرات واضحة يساعد الحكومات والقطاع الخاص على توجيه برامج التدريب نحو الفئات الأكثر احتياجاً، واستثمار الموارد البشرية بكفاءة أكبر.
إن السنوات حتى 2030 ستكون مرحلة إعادة تشكيل كاملة لسوق العمل في الخليج. فالوظائف التقليدية تمضي نحو نهايتها، بينما تتقدم وظائف جديدة لتقود اقتصاداً أسرع، أكثر ذكاءً، وأعلى اعتماداً على المعرفة.
وفي هذا التحول الكبير، سيكون المستقبل من نصيب من يتعلم ويتطور، لا من ينتظر أن يعود الماضي كما كان.

*كاتب وباحث إماراتي

[email protected]