عبدالله السويجي
أن تكون وجهة مفضّلة لأصحاب رؤوس الأموال ورجال الأعمال والناس العاديين، فتلك مسؤولية ضخمة تتحملها الحكومة والشعب. وأن تكون وجهة ثقافية ومعرفية وفنية للراغبين في الحصول على الإقامة الذهبية، فتلك أيضاً مسؤولية كبيرة للحكومة والشعب. وأن تكون وجهة سياحية لملايين الأفراد والعائلات، في كل فصول السنة، فتلك أيضاً مسؤولية كبيرة للحكومة والشعب.
ومن دون وضع الأحجيات، فأنا أتحدث عن دولة الإمارات العربية المتحدة، وحديثي قد يبدو اقتصادياً وثقافياً ومعرفياً أو سياحياً، إلا أنه إضافة إلى كل ذلك، حديث سياسي واستراتيجي وأمني، إذ لا يمكن فصل الاقتصاد عن تأمين فرص العمل، عن الثقافة وعن السياحة، لا يمكن فصل كل ذلك عن السياسة، التي يمكن أن تكون هي العامل الرئيسي لتحوّل دولة الإمارات إلى وجهة مالية ومعرفية وسياحية وترفيهية. والسياسة هي الإدارة وفن التعامل مع الناس وفن تنظيمهم وتوجيههم وإدارتهم، وهي فن التحدّث إليهم ومعرفة ثقافاتهم واحترام عاداتهم وتقاليدهم وأساليب حياتهم، والسياسة هي الخطاب الإنساني والإعلامي والثقافي الذي يحدّد لغة التعامل مع ألسنة ولغات وطبائع كثيرة.
والسياسة هي فن التعامل مع الدول، هي الدبلوماسية والقوة الناعمة والتعامل المباشر مع الآخر غير الموجود في بلدك، وتوجد جالية تمثّله، هي فن التعامل مع المصالح وأهداف الدول وثقافاتها وفنونها وأساليب حياتها، وهي فن التعرّف على أهدافها وطموحاتها وغاياتها. وهذه العناصر هي بديهيات في العلوم السياسية، وهي معرفة الآخر معرفة صحيحة، وأي فهم مغلوط قد يخلق سوء فهم يقود إلى مشاكل لا حصر لها.
باختصار هذه هي الأرضية الفكرية التي تجيب عن أسئلة تحوّل دولة الإمارات إلى وجهة مفضّلة للعيش والعمل وبناء حياة سعيدة، وكلنا نعلم أن مصطلح السعادة لم يعد عاطفياً أو قيمياً وإنما أصبح يتكون من منظومة من المتطلبات الاقتصادية والسياسية والقانونية والاجتماعية والبنية التحتية ووجودها ضمن أعلى المعايير العالمية، وتوفّر هذه المعايير يلعب دوراً رئيسياً في تفضيل وجهة على أخرى، فالإنسان يبحث عن الأمن والأمان والاستقرار والبيئة المالية الآمنة والعدالة وتطبيق القانون من دون تمييز. الإنسان يبحث عن بيئة تعليمية وصحية وعلاجية تتوفّر فيها المنشآت الطبية المتقدّمة والجامعات المعتمدة والمؤسسات التابعة لها. وهكذا نجد أنفسنا نتحدث في الشق العملي من أسباب التحوّل إلى وجهة مفضّلة ونموذجية للعيش والعمل والحياة.
قلنا إنها مسؤولية الحكومة، وهذا ليس من قبيل تحميل الحكومة العبء الكبير، وإنما من باب الإشارة إلى المسؤولية البنّاءة، ويمكننا القول إن الحكومة تقوم بكل ما من شأنه توفير الأرضية الأمنية والاقتصادية والتعليمية والقانونية للراغبين في العيش على أرضنا الطيبة، ومن المؤكد أن الحكومة كمؤسسة تنفيذية لا تعمل إلا بتوجيه القيادة الحكيمة والرشيدة.
هاتان المؤسستان مؤسسة القيادة والمؤسسة الحكومية، ونفخر بهذه التسمية وهذا المصطلح، أن تتحول القيادة إلى مؤسسة، وكذلك الحكومة هاتان المؤسستان متوحّدتان متناغمتان وتعملان بانسجام كأنه الموسيقى، ويحدث هذا نظراً لوضوح القرار والتوجيه والتنفيذ ضمن آلية واضحة أيضاً ومدفوعة بالولاء والانتماء كقيمتين إنسانيتين ووطنيتين.
وإذا كانت الحكومة تقوم بواجباتها وفق رؤية موضوعة مسبقاً، فإن مسؤولية الشعب التي تحدثنا عنها في البداية، المسؤولية الاقتصادية والمعرفية والسياحية والعناصر الأخرى، يقوم بها أفراد الشعب من دون قرارات وآليات تنفيذ ومن دون جهات رقابية وتوجيهية، وهنا تكمن صعوبة تحمّل المسؤولية وتوفير متطلباتها، إذ قد يحدث أمر يتطلب من الفرد استيعاب المشكلة والتفكير بحلول لها ضمن فترة زمنية قياسية، ثم تقديم الحلول الإيجابية للمشكلة.
هذه القدرة تتطلب تربية خاصة، وليس تعليماً خاصاً، إذ من الصعب إعطاء دروس في الدبلوماسية وإدارة الأزمات لكل أفراد الشعب، لكن التربية تختزل دروس الدبلوماسية وإدارة الأزمات، من هنا برز مصطلح الإماراتي، هذا الكائن المواطن الوطني المتمتع بالولاء والانتماء الحريص على تقديم صورة جميلة للآخر عن طريق السلوك الحضاري المتحضّر الراقي.
هذا السلوك يعود للتربية التي قامت الدولة بتوفير عناصرها عن طريق غرس القيم الجميلة، وذلك عن طريق تخصيص كل عام لقيمة معيّنة، وهذا لعمري تربية خاصة لا تتوفر لكل الشعوب، تربية الخير والتطوع والابتكار والبيئة، والأهم من ذلك قيم القادة المؤسسين والمعاصرين، فإذا تمت ترجمة ستين بالمئة من هذه التربية وهذه القيم، يكون الإماراتي قد تحوّل إلى نموذج كدولته، وهنا تكمن أهمية القول في تحمّل المسؤولية وتقاسمها بين الحكومة والشعب.
هناك مصطلح استدامة المسؤولية، ما يعني استدامة التنمية في كل نواحي الحياة، وفي البنى التحتية، وتشمل أيضاً تطوير منظومة القيم، وتطوير أساليب التعامل، لأن لكل عصر لغته وأساليبه في العيش ولكل عصر مفرداته الخاصة في الحياة. وهكذا، فإننا نمهّد الطريق نحو المستقبل، لأن الاستدامة هي المستقبل، هي ضمان رفاهية الحياة وكرامة الإنسان إلى أيام وسنوات قادمة، وسوف يتحقّق هذا في استدامة التناغم في تحمّل المسؤولية، كأنها معزوفة موسيقية تستمد ألحانها من مكان خالد.