ما هي الأفكار المستلهمة من المتحف المصري الكبير؟ لو حصرنا أبعاده في أنه أكبر متحف في العالم، مخصص لحضارة واحدة، لظلمناه. بالتعبير التنجيمي، هو طالع إقبال لمصر والأمّة العربية. ينظر القلم إلى مصر من منظور الفيزياء الفلكية. لا بدّ للمنظومة العربية من مركز جاذبيّة، شأن المنظومة الشمسية. من دونها تتشتت المنظومة، وتبرز نيوب المذأبة.
مجموع الحضارات التي قامت على ما هي خريطة العالم العربي اليوم، ثلاثون ألف سنة. حلم أحلامنا استئناف الحضارة، وهو شبح أشباح المغرضين الطامعين، الذين يريدون تحويل أمجاد من الماء إلى الماء، إلى أرض يباب، واندثار بلا إياب.
أوّل النهضة هو أن تشعر مكوّنات المنظومة العربية بذاتها، بأبعاد جذورها، بثراء تاريخها، ببدائع إبداع إرثها العريق، بكنوز عطائها ورموز سخائها. عندئذ تحدث صدمة الوعي والواقع: لماذا حدث هذا التراجع وتواري المراجع؟ حينئذ تتقارب اللوحات التكتونية للماضي والحاضر، وتلوح ملامح الزلزال المبارك. للأسف، خبراء العلوم السياسية والاجتماعية، على الأرجح، لم يدرسوا أدواء الأمم والشعوب، من خلال الاختبارات المعنوية. الفحوص السريرية لا تكفي. مثلاً: ما هي آثار انعدام الإرادة والخيال؟ ما هي أسباب الاستلاب؟ هل التبعية ناجمة عن اقتناع بأن نقط القوة في الطرف الآخر، ليست وهميةً وخدعاً؟ ذلك المظهر المغشوش لا يصلح لأن يكون قدوةً ومثالاً. في ميراثنا ألف قدوة وقدوة، فما حاجتنا إلى الاقتداء بالزيف والزور؟
هذه جولات كالأحلام فيها الافتراضي والواقعي والاستشرافي، في رحاب متحف خيالي من الجزيرة العربية إلى المغرب العربي والأندلس؟ أعظم ملتقى حضاري على أرض العرب. باقات من الجلسات النجوميّة: رمسيس الثاني ونبوخذ نصر وحنبعل وصلاح الدين الأيوبي، يبحثون الخطط الجيوسياسية والجيوستراتيجية، التي تنقذ الأمّة من عثارها. حمورابي وابن رشد يتدارسان أسس نهضة للقانون واستقلال القضاء. لفيف من المبدعين في التشكيل والعمارة والديكور والموسيقى، في حضارات مصر ووادي الرافدين وتدمر والبتراء وقرطاج، ومن الأندلس زرياب، يضعون الأسس لفجر عربي جديد في الفنون والإحساس بالجمال. المعرّي وإخوان الصفاء وابن خلدون يناقشون سبل دعم حريات الفكر والرأي والتعبير. نحتاج إلى موسوعة لذكر عناوين جلسات الملتقى.
لزوم ما يلزم: النتيجة الفكريّة: حضاراتنا ليست عالماً افتراضياً، ولا فيلم «ليلة في المتحف». هي كامنة فينا، إذا تمثّلناها.