تكاد الكتب الأجنبية بلغاتها العالمية الحية والمنقولة إلى العربية من الإنجليزية والفرنسية والروسية والألمانية والإسبانية تتفوق في أعدادها على الكتب الصادرة بالعربية في معارض الكتب الكبرى في الوطن العربي.
مكتباتنا المنزلية أغلبها كتب مترجمة إلى العربية، وأصبح المترجم المهني الحرفي ناقل حضارات وثقافات بكل ما يعنيه مفهوم النقل من أخلاقيات ومسؤولية أدبية عظمى تقع على كاهل هذا الناقل الذي يكون في الغالب فرداً يعمل وحده في سوق نشر تستوعب الآلاف من دور صناعة الكتاب في العالم، وهنا، دعني أتحدث عن هذا المترجم أو الناقل الفرد الذي يعمل وحده في الهواء الطلق، بعيداً عن مؤسسة أو شركة أو جهة تحتويه وتوجهه، وتضبط إيقاعه الثقافي على ساعتها الزمنية والمهنية.
المترجم الفرد (الوحيد) صاحب اختياراته المستقلة في توجهه إلى كتب بعينها، يشعر بامتيازية هذه الاستقلالية، لأنها توفر له الحرية الشخصية التي عادة ما لا نعرفها عند المترجم، وهي حرية القراءة.
يقرأ المترجم الحرّ الكتب الصادرة حديثاً أو قديماً في العالم، وبناء على قراءته الحرّة يختار عنوانه الأدبي أو الفكري أو الفلسفي، وينقله إلى العربية وفق رؤيتين: الحرية، والاستقلالية.
هنا، سنبحث دائماً عن هذا النموذج النبيل من المترجمين، وأقصد به نموذج المترجم (الضميري)، إن جازت العبارة، أي المترجم الذي يوجهه ضميره، ويضبط أخلاقياته، ويحافظ على الأداء المهني عنده.
كل ذلك معروف بالنسبة إليك صديقي القارئ، وبخاصة إذا كنت قارئ ترجمات حرفية انتقائية أكثر مما انت قارئ كتب استهلاكية، تعاني التضخم النرجسي، وتضيّع وقتك بالمبالغة، والتعقيد، والدعاية.
تمتلئ عشرات بل مئات المقالات اليومية العربية باستشهادات واقتباسات من الكتب المنقولة إلى العربية من دون إشارة إلى المترجم، فيبدو الاقتباس معلّقاً في الهواء وبلا مرجعية معلوماتية تشير إلى اسم هذا المترجم الذي بذل جهداً وأنفق وقتاً ومالاً وأعصاباً من أجل المحافظة على جوهره الثقافي ومهنيته المستقلة.
إغفال اسم المترجم في مقالة أو في بحث أو في دراسة أو في تعليق أو في عمود صحيفة، هل تجاهل مرير لعمل المترجم وإقصاء لمكانته الثقافية؟ والأخطر من هذا كلّه أن القارئ غير المحترف، أو لنقل القارئ الاستهلاكي السريع، سيظن أن كاتب العمود أو صاحب المقالة أو الدراسة هو من قام بالترجمة، وأن الاقتباس المترجم يعود إلى الكاتب وليس إلى المترجم.
لنردّ الحق إلى صاحبه دائماً، ذلك الذي يساعدنا نحن الذين لا نعرف سوى العربية على فهم حضارات وثقافات العالم.
ردّوا الحقوق إلى أصحابها
10 ديسمبر 2025 00:31 صباحًا
|
آخر تحديث:
10 ديسمبر 00:31 2025
شارك