أتابع بشغف التحقيقات الميدانية ذات الطابع الجمالي التي تجريها الزميلة سومية سعد في أرجاء الإمارات، وأمس، توقفت أمام لوحة فنية إبداعية لم تنجزها يد رسام، بل الطبيعة الفطرية في جبال حتّا هي التي شكّلت هذا المدى الجمالي الرفيع لبحيرة ليم (حيث يلتقي الصخر بالماء)، مثلما كتبت الزميلة سومية التي استعارت لغتها الصحفية الشعرية هذه من الجبال، والماء، والغيوم، وهي عادة ما تسمى المادة الحية المرئية في الصحافة، حيث يقترح المكان لغته على الكاتب، ويوجّهه إلى الجمال الظاهر والباطن في بحيرة، أو جبل، أو قلعة، أو أي أثر تاريخي ومكاني هو علامة ثقافية من علامات الجغرافيا الفطرية الأولى والتي هي الفكر، والتأمل.
تأمّلت بحيرة ليم، وغبطت الزميلة أنها كانت هناك، وامتلأت بهواء نقيّ وصور إبداعية أكثر نقاءً، وتساءلت: أين الشعراء والروائيون والأنثروبولوجيون وكتّاب الأمكنة والرسامون من كل هذا البذخ الرفيع في الجبال التي ولدت من ضلوعها هذه البحيرة؟!
بحيرة ليم مكان كتابة بامتياز، وهي امتداد لأماكن إبداعية عديدة في الإمارات، في حتّا، وفي خورفكان، وفي وادي الحلو، وفي جبل حفيت، وفي جبال الفجيرة ورأس الخيمة.
في بيئات الإمارات الثلاث: الجبال، والصحراء، والبحر، هناك جمال نائم، إن جازت العبارة، في حاجة إلى من يوقظه: خريطة الأشجار المناخية المتجاورة في العين، البحر وامتداد زرقته في أم القيوين، الأفلاج وسرّها المائي الغنائي في عجمان، الواحات وطبقات النخيل في الذيد، جبال الشحوح في شعم، علامات التاريخ في مليحة، وأم النار، الماء المنبثق من قلب الحجر في مسافي، روح المكان في الشندغة. هذه العلامات، والأمكنة، والجماليات في الإمارات هي اللغة النائمة التي أيقظها بعض الرسّامين والكتاب والصحفيين، هي روح الأدب، وروح الفن في وطن ثقافي، وفي مجتمع ثقافي عرف الشعر الفصيح والنبطي منذ أحمد بن ماجد، ومنذ الماجدي بن ظاهر، ومنذ راشد الخضر، وغيرهم ممّن أصبحوا أعلاماً في الذاكرة الثقافية الإماراتية بفضل الأماكن التي عاشوا فيها، وعرفوا سرّها الدفين.
الآن عرفت لماذا يكثر الشعراء في الإمارات، شعراء الفصيح، وشعراء النبط، الآن عرفت لماذا يكتب علي أبو الريش رواياته بهذا التدفق الغزير من دون تعب ومن دون إجازة من الكتابة.
بحيرة ليم أخذتني إلى كل هذه التداعيات التي يمتزج فيها الثقافي بالجمالي، ويختلط بها الظاهر بالمضمر، ذلك أننا في حالة الظاهر نرى الأشياء من الخارج، بينما في حالة المضمر نرى الأرواح من الداخل.
للبحيرات أرواح، وللجبال أرواح، وما الجمال المعلن المرئي سوى غلالة شفيفة ننفذ من خلالها إلى جوهر المكان، فنكتبه بما تمليه علينا قلوبنا، إلى جانب ما تنفذ إليه عيوننا من رؤية، ورؤيا.