نبيل سالم

في مشهد ليس غريباً على سلوك الاحتلال الإسرائيلي وأخلاقياته، ويشكل صفعة لكل القوانين والأعراف الدولية، منح وزير الأمن القومي الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير ترقية لضابط في وحدة المستعربين التابعة لشرطة ما يعرف بحرس الحدود، متهم مع جنود آخرين بإعدام شابين فلسطينيين أعزلين في جنين شمال الضفة الغربية المحتلة، في أواخر الشهر الماضي.
لم يكتف الوزير الإسرائيلي بإصدار قرار الترقية، بل حضر شخصياً إلى قاعدة الوحدة المسؤولة عن قتل الشابين الفلسطينيين لإبلاغ قائدها بالقرار، وذلك بعد يوم واحد من توثيق ضباط الوحدة وهم يطلقون النار على الشابين بعد رفعهما أيديهما واستسلامهما لقوات الاحتلال، وهي الحادثة التي قال جيش الاحتلال إن ثلاثة من ضباطه يخضعون للتحقيق على خلفية عملية الإعدام الميداني هذه، وادعى جنود الاحتلال أن حياتهم كانت مهددة بعدما لم يستجب المشتبه بهما لأوامرهم، فيما نشر بن غفير مقطع فيديو يظهره وهو يحتضن قائد الوحدة المسؤولة عن إعدام الشابين الفلسطينيين، وفيديو آخر يعرب فيه عن دعمه لمقاتلي الوحدة وسط التحقيق الجنائي الجاري، رغم أن مثل هذه التحقيقات غالباً ما تبقى بلا نتائج، أو يعاقب الجنود بعدها بعقوبات بسيطة، كأي عقوبة مسلكية عادية، وهو ما حدث بالفعل، حيث أخلت سلطات الاحتلال سبيل الجنود المتهمين بالجريمة، بعد تحقيق صوري، زعم الجنود خلاله أن الشابين كانا مسلحين، وأنهما لم يستجيبا لتعليماتهم.
لكن اللافت في هذه الترقية التي منحها بن غفير للمتهمين بقتل الشابين الفلسطينيين الأعزلين، أنها تمثل في الواقع ترخيصاً واضحاً للجنود، ليس بالقتل فقط، بل وتشجيعهم على ذلك ومكافأتهم، على الجرائم التي يرتكبونها بحق الشعب الفلسطيني، واستخفافاً صارخاً بالقوانين الدولية، والقيم الإنسانية والأخلاقية.
لكن هذا السلوك لا يبدو مستغرباً أبداً، فبن غفير هو الذي دعا صراحة إلى إعدام الأسرى الفلسطينيين، ولا يستهجن سلوكه أيضاً عندما نفهم الإيديولوجيا العنصرية الاستعلائية التي تتحكم باليمين الإسرائيلي المتطرف، التي تستند إلى أساطير لاهوتية ومعتقدات مليئة بالحقد والكراهية تكشف الوجه الحقيقي لهذا المستوطن المتطرف وشخصيته الإجرامية، التي تعكس صورة مريض نفسي ومعقد، يمثل مع الأسف شريحة واسعة من اليمين العنصري الإسرائيلي، الذي يضم الساسة اليمينيين والمستوطنين المجرمين أمثال بن غفير وسموتريتش وغيرهما من قادة اليمين، وعلى رأسهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو نفسه، المتهم بجرائم حرب من قبل محكمة الجنايات الدولية.
ولفهم هذه العقلية اليمينية العنصرية التي تتحكم بمفاصل السياسة الإسرائيلية ومنابعها الحقيقية، يكفي فقط أن نلقي نظرة على بعض ما تحمله الكتب اليهودية اللاهوتية، التي تحكم سلوك قادة اليمين في إسرائيل ولاسيما فيما يتعلق بمعاملة الأسرى، حيث يتشرب المستعمرون الإسرائيليون، ومنذ صغرهم، ثقافة عنصرية تصور لهم غير اليهود أنهم شر محض ينبغي إبادته، وعدم الوفاء بالمواثيق أو العهود معهم.
كما جاء في سفر التثنية في الإصحاح العشرين ما نصه: «حين تقترب من مدينة لكي تحاربها، استدعها للصلح، فإن أجابتك إلى الصلح، وفتحت لك، فكل الشعب الموجود يكون لك للتسخير، ويستعبد لك، وإن لم تسالمك، وعملت معك حرباً، فحاصرها، وإن دفعها الرب إلهك إلى يدك فاضرب جميع ذكورها بحد السيف، وأما النساء والأطفال والبهائم وكل ما في المدينة، كل غنيمتها فتغتنمها لنفسك، وتأكل غنيمة أعدائك التي أعطاك الرب إلهك، هكذا تفعل بجميع المدن البعيدة منك جداً التي ليست من مدن هؤلاء الأمم هنا».
وقد رأينا بأعيننا ماذا فعلت العصابات الصهيونية بأهل فلسطين، قبل إقامة إسرائيل، حيث قامت بجملة مذابح بشرية رهيبة، من قتل النساء والأطفال والشيوخ والمدنيين العزل، بلا هوادة، ولذك لا يبدو ما أقدم عليه بن غفير وكل الجرائم التي تقوم بها قوات الاحتلال أحداثاً مفاجئة أو خارجة عن سياسة الاحتلال منذ أكثر من سبعة عقود.