الحسين الزاوي

تشير تطورات الأحداث الدولية إلى أن العالم بدأ يشهد تحوّلاً ملحوظاً في موازين القوى، ليس فقط على مستوى عناصر القوة العسكرية والاقتصادية الكلاسيكية ولكن أيضاً، وربما بدرجة أكبر، على مستوى المجالين الرقمي والثقافي، خاصة بعد أن تم جعل الذكاء الاصطناعي المفتوح المصدر، متاحاً على نطاق واسع، الأمر الذي أدى إلى تجاوز الاحتكار الذي كانت تمارسه قنوات الاتصال والتواصل التقليدية. وأصبحت بذلك أسلحة وأدوات الحروب الثقافية التي شهدها العالم في الفترة الممتدة من نهاية الأربعينيات من القرن الماضي إلى يومنا هذا، متجاوزة وعديمة الفعالية ومكلِفة بالنسبة لميزانيات الدول، وتدفع هذه التطورات السريعة القوى الكبرى إلى اعتماد استراتيجيات مبتكرة من أجل التعامل بكفاءة أكبر مع الصراعات الثقافية.
الدول العظمى وفي مقدمتها الولايات المتحدة والصين تتبنيان استراتيجيات مختلفة وغير تقليدية للدفاع عن مكانتهما الثقافية في المشهد العالمي الراهن وفق أساليب ومسارات تتوافق بشكل واضح مع خياراتهما السياسية ونفوذهما الجيوسياسي ومصالحهما الاقتصادية، ومن ثم رهاناتهما الاجتماعية والحضارية المتعارضة، وينصّب الصراع وتحتدم المواجهة بشكل أساسي حول السيطرة التقنية والمعلوماتية وكل ما يتصل بالذكاء الاصطناعي لاسيما على مستوى إنتاج المحتوى والتحكم في البنية التحتية الرقمية، وقد بدا ذلك جلياً بعد اعتراض واشنطن، خلال السنوات الأخيرة، على تبني حلفائها الأوروبيين تكنولوجيا الجيل الخامس الخاصة بشركة هوواي الصينية، رغم امتلاك هذه الأخيرة القسم الأكبر لبراءات الاختراع في هذا المجال، مقارنة بأكبر منافسيها الغربيين وهما شركتا «إريكسون» السويدية و«نوكيا» الفلندية.
وبدأت أبرز تجليات التحوّل في الصراع الثقافي الدولي، تُفصح عن نفسها بشكل واضح، كما يشير إلى ذلك آوود دوكيروز، بداية من شهر مارس/ آذار 2025 عندما قرّر الرئيس الأمريكي ترامب تغيير استراتيجية بلاده المعتمدة في مواجهاتها الثقافية مع خصومها، حيث أعلن إلغاء الدعم المالي الذي كانت تخصّصه واشنطن لدعم قوتها الناعمة عبر العالم، ويمسّ هذا القرار بشكل أساسي وقف تمويل شبكات النفوذ والجمعيات والمنظمات الدولية غير الحكومية وكل ما يتصل بالجمعيات الفكرية والفنية والإعلامية.
وتعتمد الاستراتيجية الأمريكية في السياق نفسه على إبقاء التفوّق الأمريكي قائماً في مجال الذكاء الاصطناعي والرقائق الإلكترونية الفائقة التعقيد، بما يضمن استمرار اعتماد العالم على التكنولوجيا الرقمية الأمريكية، ثم تحويل هذا الابتكار الرقمي المطرد إلى وسيلة متدنية الكلفة وفعّالة لتصدير المحتوى ونشر القيم الثقافية التقليدية لأمريكا.
أما بالنسبة لاستراتيجية الصين لدعم قوتها الثقافية والعلمية، فتعتمد بشكل أساسي على تحقيق السيادة التكنولوجية وتطوير الرقابة لمواجهة الانتشار الرقمي الأمريكي، وتعمل أيضاً على التحكّم على نطاق واسع ومركزي في البيانات الضخمة المتاحة للجمهور الصيني، وعلى المحتوى المتداول رقمياً، الأمر الذي يمكّنها من إنتاج نظام رقمي متطور موازٍ للنموذج الرقمي الأمريكي، حيث تمكنت بكين من تطوير بنية تحتية رقمية عالية الجودة لا تقل كفاءة عن البنية الغربية بل وتتجاوزها في بعض الأحيان. وتحرص الصين على جعل نموذجها متاحاً لكل الدول النامية من خلال مشروع طريق الحرير الرقمي، الذي يقود الشركات الصينية وفي مقدمتها هواوي إلى توفير تقنيات الجيل الخامس لمعظم الدول بأسعار جد معقولة. كما يعتمد الترويج الثقافي والتقني الصيني على سياسة تكنولوجية ترفض الهيمنة وتحترم الخصوصيات الحضارية.
ومن الواضح أن الاستراتيجيات الدولية الراهنة وفي مقدمتها الأمريكية، ستعتمد مستقبلاً على المبادئ الليبرالية المفتوحة التي تمنع الدولة من التدخل في القناعات الفنية والثقافية للأفراد مع التركيز بشكل خاص على حماية الأسس والقواعد المجتمعية لاسيما مؤسسة الأسرة ورابطة الزواج، أما بالنسبة للشق المرتبط بالانتشار الثقافي، فيمكن تحقيقه بواسطة الذكاء الاصطناعي مفتوح المصدر، وهو مجال تستطيع أن تتنافس فيه واشنطن وبكين بقوة متكافئة.
ويمكن القول: إن مظاهر التحول الثقافي العالمي متعددة ويصعب حصرها، بيد أن قوة الدول تخضع بشكل دائم لتغيرات غير متوقعة في ميزان القوى الثقافية بناءً على اعتبارات من أبرزها هجرة الكفاءات التي باتت تمس دولاً غربية مثل فرنسا، علاوة على الهجرة التي سمحت لزهران ممداني أن يصبح عمدة لأشهر وأقوى مدينة رأسمالية في العالم.

[email protected]