عبدالله السناوي
هل شارفت حقبة محمد صلاح على النهاية في ملاعب كرة القدم الأوروبية؟
في لفتة موحية عند ذروة الأزمة المشتعلة نشر صلاح على «الإنستغرام» صورة لشجرة في الخريف وقد تساقطت أوراقها، كأنه أراد أن يقول إنه مستعد أن يغادر الآن، وإنه لن يعتذر مهما كانت الضغوط عليه.
هل أخطأ بالتسرع في نقل أزمته مع مدربه «أرني سلوت» إلى العلن مخترقاً قواعد الاحتراف المفترضة؟.. أم أنه قصد كل حرف قاله حتى لا يحمل وحده مسؤولية التراجع الكارثي في مستوى الفريق العريق.. أو أن يكون كبش فداء لأخطاء غيره؟!
الإجابات تعددت وتداخلت الاعتبارات السياسية في المشهد الرياضي العالمي. كانت ردة الفعل المصرية شبه إجماعية على نصرة صلاح «ابننا»، كما يوصف عادة.
تبدت بالوقت نفسه أصوات شاردة تشمت فيه لأسباب أيديولوجية وتنظيمية. نسبت إليه تهماً بعضها يستحق التوقف عندها بالنقاش والاستبيان لما يقدر عليه وما لا يقدر مثل موقفه من قضية غزة، وبعضها الآخر لا يستحق أدنى التفات مثل الاحتفال بالكريسماس والعزاء في رحيل ملكة بريطانيا «إليزابيث الثانية».
إنها حالة ترصد لاغتياله معنوياً بصورة غير مسبوقة من الكراهية المعلنة من دون سبب مقنع، أو متماسك، غير أنه لم يلتحق تنظيمياً بهم.
هناك فارق جوهري بين أن تعاتب وتنقد وبين أن تمعن في الكراهية دون استبيان، أو إنصاف. السؤال الجوهري هنا: لماذا تقف في صفه الأغلبية الساحقة من المصريين إلى درجة مقاطعة مباريات ليفربول، التي دأبت المقاهي والمنتديات العامة على بثها، كما رصدت فضائيات ووكالات أنباء دولية؟
بقدر اتساع ظاهرته خارج كل ما هو مألوف ومعتاد، ربما نحتاج إلى دراسات وبحوث ميدانية وموضوعية في علوم النفس والاجتماع والسياسة تنظر في أسبابها العميقة التي جعلت ممكناً القول بأنه «لا يوجد شيء آخر يبهج ويوحد المصريين غيره». هذا القول الشائع ينطوي على رسالتين متناقضتين، الأولى إيجابية من زاوية الاعتزاز الوطني بأي إنجاز على مستوى دولي، علمي، أو دبلوماسي، أو أدبي، أو فني، أو رياضي، يحققه مواطنون لديهم الموهبة والكفاءة والقدرة على الإبداع.. والثانية سلبية من زاوية الشعور بأنه لا يوجد شيء آخر يبهج، أو يوحد، أو يعطي أملاً بالمستقبل.
لا يصح تحميل صلاح فوق طاقته، أو تسييس ظاهرته خارج طبيعتها الأصلية، فهو في البدء والمنتهى لاعب كرة قدم تمكن من إحراز مكانة متقدمة في اللعبة الأكثر شعبية بموهبته والعمل على تطوير قدراته.
حسب ما هو ظاهر فإنه اخترق قواعد الاحتراف بالاعتراض على جلوسه لثلاث مباريات متتالية على دكة البدلاء.
هذا شأن المدير الفني وحده والأزمة تدار في غرفة الملابس لا خارجها.
الكلام صحيح في عمومه، وإلا أفلتت أية سيطرة على اللاعبين، لكن ما حدث شيء آخر. حسب ما بدأ يتسرب من الغرف المغلقة فإنه كان يدافع عن إرثه حتى لا يخرج من الباب الخلفي، كأنه لم يكن صاحب الفضل الأول في إكساب ليفربول مكانته كواحد من أقوى الفرق الأوروبية.
باعتراف يورجن كلوب مديره الفني السابق: «محمد صلاح هو التاريخ، الذي لا يوضع على دكة».. صلاح ليس مجرد لاعب كبير، بل هو الأعظم في تاريخ ليفربول، اللاعب الذي يجب أن يعامل كما يعامل رونالدو وميسي.
من حق صلاح كنجم فوق العادة أن يبرئ نفسه أمام جمهوره، ويكشف بعض ما يجري في الكواليس كعدم الوفاء بالوعود التي قطعت له عند تجديد عقده العام الماضي.
عبّر عن إحباطه قائلاً: «أشعر كما لو كان ألقي بي تحت الحافلة». ثم ألمح إلى أن هناك شخصاً ما وراء تصعيد الأزمة. لم يقصد المدير الفني «سلوت» فهو واجهة قرار تهميشه وليس صاحبه.
كان قصده المدير الرياضي ريتشارد هيوز ومن خلفه مايكل إدواردز، الرئيس التنفيذي لكرة القدم في مجموعة «فينواي» الرياضية المالكة للنادي. إنهما مركزا النفوذ والتأثير داخل ليفربول، اللذان تمكنا من إطاحة المدير الفني السابق يورغن كلوب، الذي لم يذعن للاستراتيجية التي يريدان فرضها.
بدا تهميش صلاح مقصوداً لهدفين، الأول- تحميله مسؤولية تراجع النتائج وإعفاء سلوت من أي مسؤولية.
تراجع فعلاً مستواه هذا الموسم، لكنه لم يكن وحده. والثاني- إسناد فشل صفقات «الميركاتو الصيفي»، التي كلفت خزينة النادي ما يقارب المليار دولار إليه، كأن من مهامه وضع الخطط وتوظيف الإمكانيات.
كانت تلك رسالة إلى جمهوره تمهيداً لبيعه في «الميركاتو الشتوي» يناير المقبل حتى لا تكون هناك أية ردة فعل غاضبة من جمهوره.
جرت اتصالات مع أندية ثرية دون إخطار وكيل أعماله كما تقضي أصول الاحتراف. لم يتجاوز صلاح أصول الاحتراف، لكن غيره فعل ذلك.
هكذا فإن أطراف الأزمة كلها في مأزق محكم، وليس صلاح وحده. هذه حقيقة يصعب إنكارها. يريد أن يخرج من الباب الكبير، مكرماً ومعززاً لا مهاناً، أو مهمشاً.
وسط ضجيج المساجلات حول مستقبله رشحته هيئة الإذاعة البريطانية لنيل شخصية العام الرياضية (2025).
كان ذلك تكريماً مستحقاً في وقت أزمة عاصفة.