بمحض الصدفة فحسب، قرأت قصيدة «إسماعيل» للشاعر الإيراني رضا براهِني (1935-2022) في رثاء صديقه وابن بلده الشاعر محمد إسماعيل شاهرودي (1926-1980)، وهي قصيدة طويلة تعتبر واحداً من أشهر الأعمال الأدبية في الأدب الفارسي الحديث، وتتجاوز القصيدة موضوع الرثاء المتصل بشخص في حدّ ذاته إلى أبعاد إنسانية عالمية تضع الشعر في مرتبة اللغة الواحدة التي تفهمها جميع شعوب الأرض، وإن كانت هذه اللغة متعددة الأبجديات فضلاً عن تباعدها الثقافي والجغرافي.
لم أقرأ القصيدة من قبل على الرغم من اطمئناني إلى قراءات عديدة في الشعر الإيراني الحديث، وقد مرّ على كتابة القصيدة نحو 45 عاماً، إذ كتبها براهِني في الحال عند موت صديقه شاهرودي الذي انتهى إلى مصير مأساوي قبل أن يموت، فقد سيطر على روحه وأعصابه ذلك الجنون الذي يحوّل الإنسان إلى جثة، ولكنها تتنفس وتتحرك.
كانت تزوره في مستشفى الأمراض العقلية شاعرة شابة بالغة الشفافية ذات قلب رحيم جعل منها أيقونة ملائكية وهي تحمل الزهور للشاعر، وتحلق له ذقنه، وتطعمه الأكل بيدها في فمه، أي أنها في آخر أيام الشاعر كانت صورة يومية في حياته، ومع ذلك، لا أثر لهذه الشاعرة في قصيدة «إسماعيل».
تلك الشاعرة، الغامضة، والتي بحثت عنها في محركات «غوغل» ولم أجدها تسمّى سيلوانا سلمان نور، وكانت في العام 1978 طالبة في الجامعة، حين قررت زيارة الشاعر في المصحّ العقلي، حاملة له الزهور، وفي رسالة لها حول تلك اللحظات التي كانت تزور فيها شاهرودي كتبت: «كان الأمر كما لو كنت أعرفه منذ سنوات. طلب مني البقاء ساعة أخرى، فقلت له: دعنا نتمشّى. عندما قام من مكانه، لم يستطع التحرّك بسهولة، حملته بين ذراعيّ، وسرنا على طول ساحة المستشفى»، وفي مكان آخر من الرسالة نقرأ: «في صباح يوم الغد ذهبت من الجامعة مباشرة إلى المستشفى، كان يرقد في غرفته، وعندما رآني، فرح كثيراً. وضعت حقيبتي وكتبي بالقرب من سريره، ثم مسكت به من تحت ذراعيه، ونزلنا إلى الفناء».
ولكن مرة ثانية، ماذا عن قصيدة «إسماعيل»؟ في القصيدة الملحمية التي تحاول الإحاطة بالملحمية التراجيدية التي كانت هي حياة الشاعر محمد إسماعيل شاهرودي الذي فَقَدَ توازنه الذهني إثر اعتقاله من جانب «السافاك» نقرأ واحدة من أنبل المرثيات الإنسانية في العالم نقرأ قصيدة شاعر صديق لشاعر. الأول إنساني حميمي، حنون، والثاني مريض، مدمّر، يموت، فيحاول الشاعر الصديق براهِني انتشاله من القبر بالشعر طبعاً، وليس بيديه. يقول: «بعون الحب سوف أنتشلك من القبر»، ويقول:«انظر ها هم يحرقون حوافر الحصان، وأن الشمس تشرق على البستان والمقبرة في آن واحد».
مرة ثانية، الشعر لغة العالم الواحدة.

[email protected]