يونس السيد
من حرب إلى حرب، ومن جبهة إلى أخرى، يواصل نتنياهو حروبه الممتدة بلا توقف وبلا نهاية، سعياً لتحقيق أهداف متنوعة، شخصية وسياسية وأيديولوجية، تتمحور في النهاية حول هدفين رئيسيين: الهروب من محاكمته في قضايا الفساد، وتكريس الهيمنة الإسرائيلية على المنطقة.
يخطئ من يعتقد أن حروب نتنياهو تتوقف على الانتقام من هجوم 7 أكتوبر، فما حدث في قطاع غزة على مدار أكثر من عامين، يمكن أن يشبع نهم أعتى القادة الهمجيين عبر التاريخ. ومع ذلك لم يستطع نتنياهو إعلان النصر لأنه ببساطة لم يتمكن من تحقيق أهداف الحرب التي وضعها بنفسه، والتي لا يزال يتمسك بها، مدعوماً بحكومة هي الأكثر يمينية وتطرفاً في تاريخ إسرائيل. ليس صدفة أن يكرر نتنياهو مقولته المعروفة: إن إسرائيل تخوض حرباً وجودية وإنها تقاتل على سبع جبهات، ويعود ذلك لسببين، الأول أنه لم يستطع حسم المواجهة على أي من تلك الجبهات، والثاني أنه طوال تلك الفترة كان يسعى للحفاظ على تماسك ائتلافه الحكومي وإطالة أمد بقائه في الحكم هرباً من محاكمته، بعد أن بات يدرك حتمية إدانته في التهم المنسوبة إليه.
ومع ذلك أيضاً، لم تتوقف مناورات نتنياهو في كل الاتجاهات، ففي الداخل، لا يخرج طلبه العفو من الرئيس الإسرائيلي عن هذه المناورات، فهو لم يعترف بذنبه، أو يبدي استعداداً للتنحي والاعتزال السياسي، وفق ما يقتضي القانون الإسرائيلي، بل يصرّ على الحصول على عفو من دون أي مقابل لاعتبارات وصفها بأنها «ضرورات وطنية». ولكن بعيداً عن دعم الرئيس الأمريكي في موضوع العفو، ثمة تسريبات قد تتحول إلى فضيحة مزلزلة، إن ثبتت صحتها، حول صفقة أبرمت قبل سنوات مع إسحق هيرتسوغ بمنحه أصوات «الليكود» لانتخابه رئيساً لإسرائيل مقابل منح نتنياهو لاحقاً عفواً غير مشروط. لا ندري كيف سيتطور الأمر في هذا الشأن، خصوصاً أن هناك معارضة إسرائيلية شديدة لمنحه العفو، في دولة توصف بأنها «واحة الديمقراطية في الشرق الأوسط»، ولكنها في الحقيقة منقسمة على بعضها، ويعاني مواطنوها تمييزاً ربما أكثر من أي دولة أخرى، بين شرقيين وغربيين وبين متدينين وعلمانيين، من دون أي اعتبار للعرب.
لكن على المقلب الآخر، صحيح أن حرب نتنياهو لم تحسم على أي من الجبهات في الخارج، لكن لا أحد ينكر أنه تمكن من إضعاف خصومه في هذه الجبهات، وبالتالي فهو يرى أن الظروف ملائمة لمواصلة هذه الحروب، في غزة والضفة الغربية، وفي لبنان وسوريا، وربما مع إيران والحوثيين، سواء لإثارة الفتن الداخلية في كل هذه المناطق، أو لتحقيق أهداف إسرائيل الكبرى والسيطرة على المنطقة برمتها.
وعلى هذه الخلفية، يحاول نتنياهو التملص من استحقاقات «خطة السلام» في غزة، وعرقلة الانتقال للمرحلة الثانية، وإدامة حروبه المتنقلة.